عربي ودولي

هل بدأت الإمارات “انسِحابها الثاني” من مُستنقع الحرب اليمنيّة

الكاتب: عبد الباري عطوان


عبد الباري عطوان

دولة الإمارات العربيّة المتحدة بإعطائها الأوامر “لألوية العمالقة” الجنوبيّة التّابعة لها، بوقف عمليّاتها العسكريّة ضدّ القوّات الحوثيّة في مُحافظتي مأرب وشبوة، “اشترت” أمنها واستِقرارها، وتجاوبت بالكامِل مع الرّسالة “البليغة” التي أرسلتها حركة “أنصار الله” الحوثيّة من خِلال صواريخها وطائراتها المُسيّرة التي قصفت مدينتيّ أبو ظبي ودبي يوميّ الاثنين الماضي، والذي قبله، بأنّ تورّطها في حرب مأرب، وأيًّا كانت القِوى التي كانت خلفه، سيكون مُكلِفًا جدًّا على الصُّعُد كافّة.
الحوثيّون فوجِئوا باختِراق حُكومة الإمارات لاتّفاقٍ غير مكتوب معهم بالنّأي بالنّفس، وعدم التدخّل في الحرب المُشتَعلة في مناطق الشّمال اليمني، خاصّةً في مأرب والحديدة، مُقابل تركهم يفعلون ما يَشاؤون في الجنوب، ولو مُؤقَّتًا، عندما استَجابوا ربّما لضُغوطٍ سعوديّة، وربّما أمريكيّة أيضًا، ونقلوا “ألوية العمالقة” التّابعة لهم من السّاحل الغربي إلى جبهة مأرب، جنبًا إلى جنبٍ مع قصف طائراتهم الجويّة المُكثّف لمواقع القوّات الحوثيّة على الأرض، وكانت هذه الخطوة خطأً كبيرًا في رأي الكثير من المُراقبين ونحن منهم.
***
ثَبُتَ بالدّليل القاطع، أن الحوثيين عندما يُهدّدون بالرّد، يُبادرون بتنفيذ تهديداتهم هذه، لأنهم يملكون قرارهم، وهذا ما لم تُدركه الحُكومة الإماراتيّة، ولم يستوعبه مُستشاروها، سواءً كانوا عسكريين أو سياسيين.
الإمارات تظل دولةً صغيرة، ولا تستطيع تحمّل تبعات الغارات الحوثيّة بالمُسيّرات أو الصّواريخ الباليستيّة، خاصّةً أنها استطاعت أن تخترق مُعظم المنظومات الدّفاعيّة الأمريكيّة الباهظة التّكاليف وصواريخها المُتقدّمة جدًّا، ومنظومات صواريخ “ثاد” الأكثر حداثة وفاعليّة من نظيرتها “الباتريوت” وتتواجد في قاعدة “الظّفرة” الجويّة الأمريكيّة في مُحيط العاصمة أبو ظبي.
اقتصاد دولة الامارات يقوم بالدّرجة الأُولى على الأمن والاستِقرار، لأنّه اقتصادٌ عموده الفقري النفط والاستثمارات الخارجيّة والسّياحة (دبي خاصّةً)، والحوثيون لم يُخفوا إدراكهم لهذه الحقيقة، وتوظيفها في خدمة مُخطّطاتهم الهُجوميّة، ولو استمرّت ألوية العمالقة في تقدّمها في حرب مأرب، لنفّذوا تهديداتهم بقصف معرض “إكسبو” الاقتصادي الدّولي العِملاق في مدينة دبي، وتعطيل حركة المِلاحة الجويّة في المطارات كُلِّيًّا، وهُم أثبتوا أنهم يملكون القُدرة على ذلك.
السُّؤال الذي يطرح نفسه بقُوّةٍ يتمحور حول ردّ فِعل “الشّريك” السعودي على هذا “الانسِحاب” الإماراتي الثاني من حرب اليمن، فمِنَ المُؤكّد أن قرار الانسِحاب من “معركة مأرب” سيتركها وحُلفاءها في الميدان لوحدها، ولعلّ غِياب الأمير محمد بن سلمان وليّ العهد السعودي عن القمّة الرباعيّة التي انعقدت يوم أمس الأوّل في أبوظبي بمُشاركةِ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد وليّ عهد الإمارات، والشيخ محمد بن راشد قائد القوّات المسلّحة رئيس وزراء دولة الإمارات، إلى جانب العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى، أحد الأدلّة على غضب السعوديّة، ومعرفتها المُسبَقة بهذا القرار “الانسِحابي” الإماراتي.
مَرّةً أُخرى نُكرّر بأنّ مُشاركة القوّات التّابعة للإمارات في حرب شبوة ومأرب كان قرارًا غير مدروس من جميع جوانبه السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، وبعكس سُوء تقدير لقُوّة “أنصار الله” وداعِميها (محور المُقاومة بقيادة إيران)، والآن بعد أن جرى تصحيحه، وتقليص الخسائر، وإعادة ألوية العمالقة إلى “عرينها” غرب اليمن حسب البيان الرسمي، فإنّنا لا نستبعد مُراجعةً شاملةً من قبل القِيادة الإماراتيّة لتوريطها في الحرب في اليمن ربّما نشهد تطبيقاتها في الأسابيع والأشهر المُقبلة، بالإشارة إلى تبنّيها سياسة “تصفير المشاكل” وإصلاح العُلاقات مع جميع خُصومها والتّركيز على الاقتِصاد.
الحوثيّون، اتّفق البعض معهم أو اختلف، باتوا رقمًا صعبًا في الجزيرة العربيّة، ويبدو أن دولة الإمارات أدركت هذه الحقيقة جيّدًا بعد أن شاهدت الصّواريخ والمُسيّرات تخرق أجواءها، وتصل إلى أهدافها بضرب المُنشآت النفطيّة و”حواف” المطارات، وتتجنّب بقدر الإمكان ضرب المدنيين، خاصّةً أن القواعد الأمريكيّة والفرنسيّة والبريطانيّة على أراضيها لم تُوفّر لها الحدّ الأدنى من الحِماية، وهرول جُنودها وخُبراؤها إلى الملاجئ إيثارًا للسّلامة، والمصير نفسه ستُواجهه السعوديّة، والسّعيد من اتّعظ بغيره.. والأيّام بيننا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق