سوريةعربي ودولي

العلاقة مع لبنان من وجهة نظر الشارع السوري


الكاتب: فراس القاضي

حين تتناول موضوعًا يتعلق -سواء بكليته أو بتفاصيله- بتشريح آراء، أو تقديم حاصل وجهات نظر مجموعة كبيرة من الناس، فإن الواجب الأخلاقي والأدبي، يفرض عليك أن تبدأ بشكر مواقع التواصل قبل تقديم نتيجة بحثك للقارئ، لأنها سهلت المهمة كثيرًا. فهذا المقال -وعلى تواضعه الشديد- أغلب ما سيرد فيه، مبني على متابعات طويلة ودقيقة لهذه المواقع، وما تعكسه من آراء، كثير منها حقيقي، لأنه كان تعبيرًا مباشرًا وآنيًا عن حدث، أو فكرة، أو مفهوم، والناس لا يكونون صادقين حقيقة بقدر ما يكونون في ردود أفعالهم الأولى.

(العلاقات السورية اللبنانية)؛ مفهوم وجملة تُربِك السوريين حقيقة، إن كان بعمقها، أو حتى بمجرد صياغتها، ردود أفعالهم حيال كل ما له علاقة بهذا المفهوم، تُظهر أنهم لم يستوعبوا حتى اللحظة، أن لبنان دولة مستقلة، لها حكومتها ومؤسساتها وجيشها وأجهزتها الأمنية وكل ما تضمه الدول من عناصر تشكّلها، وينظرون إلى هذا المفهوم بذات الغرابة والصدمة التي ستصيبهم لو سمعوا جملة (العلاقات السورية الحلبية)، أو (العلاقات السورية الحمصية)، فلبنان ما يزال في بال الكثيرين، محافظتين سوريتين، (سنعود بعد قليل لشرح لماذا محافظتين وليست واحدة)، تأخذان أوامرهما، ويتم تعيين مسؤوليهما بقرارات تصدر من دمشق، رغم أن السنوات الأخيرة كانت أكثر من كافية لتغير هذا التفكير وهذه النظرة.

ولا بد من القول إن سنتي 2020 و2021، لم تكونا ذهبيتين في العلاقات السورية اللبنانية، ونظرة الشعب السوري إليها في كثير من النواحي، ومن ضمنها بالطبع، ما تعرض له حزب الله خلالها من ذات القوى التي تستهدف سورية، على اعتبار أن كثيرًا من السوريين يعتبرون استهداف الحزب هو استهداف ضمني لسورية، وزاد الطين طينًا، الممارسات العنصرية المؤذية للكثير من السوريين اللاجئين في لبنان دون مبرر، وتحديدًا ما جرى يوم الانتخابات الرئاسية السورية الخارجية في 21 أيار 2021، وما تعرض له عدد غير قليل من الناخبين من أذى جسدي ومعنوي، ومنعهم من الوصول إلى السفارة للإدلاء بأصواتهم، ما أدى إلى نقمة واضحة، صرح بها وعبّر عنها كثيرون، وزاد حدتها حينها، موقف الدولة اللبنانية التي يفترض السوريون أن رئيسها حليف لسورية وصديق لرئيسها، والذي لم يكن بالمستوى المطلوب، وأن الاعتداء على الناخبين وقع بحضور الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، فبدا كل ذلك وكأنه متفق عليه أو مرضِيّ عنه، أضف إلى ذلك الغارات الإسرائيلية المتكررة على سورية، والتي تقوم بها طائرات الكيان في كثير من الأحيان من الأجواء اللبنانية دون أي رد فعل أو تصرف حتى ولو كان شكليًا من قبل الدولة.

هذه النقمة، وجدت أكثر من مرة، منفذًا لتظهر إلى العلن وبوضوح، ومنها آراء قسم كبير من السوريين بموضوع مرور خط الغاز العربي الذي سيغذي محطات توليد الكهرباء اللبنانية، من داخل الأراضي السورية، فقد كانت ردود أفعال غالبية من تحدثوا عن الموضوع -والسوريون لا يتركون موضوعًا إلا ويتحدثون به بمعرفة أو بلا معرفة- تربط هذا بذاك، وتتساءل عن سبب تقديمنا لمساعدة لن يستفيد منها السوريون المحرومون من الكهرباء أيضًا، إلا بمقدار طفيف جدًا يكاد لا يذكر، حدده وزير الكهرباء السوري غسان الزامل بـ 8% فقط، من دون حمد أو شكر، بل على العكس، فهناك شريحة لبنانية ضد أي شيء يأتي من الحدود السورية حتى لو فيه منفعة لهم، وذَكّر كثيرون عبر صفحاتهم الشخصية على فيس بوك- المسؤولين السوريين بجُملتي (ما بدنا أوكسجين سوري) و(هوانا غير هواك) اللتين تحولتا إلى شبه حملة عندما تبرعت سورية في آذار الماضي 2021 بـ 25 طنًا من الأوكسجين لإنقاذ لبنان من كارثة نفاد الأوكسجين من مشافيها بسبب إحدى جوائح كورونا التي كانت تجتاح سورية أيضًا وبشكل قاسٍ، وأوضحوا أنها ما تزال في بال السوريين.

الأهم من هذه التفاصيل، هو أمر لا يسمح المجال للغوص فيه كثيرًا، لكن بالإمكان الإشارة إليه، وهو أن السوريين في آرائهم حول هذا الموضوع، محبين أو كارهين، موافقين أو رافضين، موالين أو معارضين، يتمسكون، وربما دون أن يعلموا، بالفكرة التاريخية لوحدة مصير هذه المنطقة، وبالتحديد سورية ولبنان، مما يجعل أي حدث يحصل في أحد البلدين، مادة إجبارية للتعليق وإبداء الرأي في البلد الثاني.

بشار يوسف، ناشط ومتابع للشأن اللبناني، يقول: “إن السوريين كانوا يعتبرون الوجود الأمني والعسكري السوري في لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي، صمام أمان، ومَرَدّ هذه الخشية أو التوجس، والحاجة إلى وجود هذا الصمام، هو معرفتهم بوجود قوى وتنظيمات وأحزاب لبنانية تجاهر بعمالتها للعدو الإسرائيلي حينها، واستمرت في عمالتها من تحت الطاولة في فترة حرب تموز وما بعدها.

وبُعيد الخروج السوري من لبنان عام 2005، ومقتل ما يقارب الـ 700 مدني سوري على يد تلك الفئات ذاتها، ازداد الأمر سوءًا، وصار السوري يشعر بأن إيذاء السوريين هو من ضرورات وجود وبقاء تلك الفئات، ناهيك عن النظرة الفوقية المتعالية لأتباعها بمختلف مكوناتهم المذهبية والطائفية، والتي صارت تترجم على السوريين بجرأة، وزاد حدة الغضب، معرفة السوريين الضمنية بأن دولتهم تستطيع الانتقام والثأر مما يجري هناك وبكل سهولة، لكنها لم تلجأ إلى هذا الأسلوب بسبب اقتناعها التام بأن المصير واحد، وأن الجغرافيا والتاريخ هي الحكم والفيصل، فمقولة شعب واحد في بلدين كانت عنوان مرحلة الوجود السوري في لبنان والتي استمرت بعد خروجه وحتى يومنا هذا، ورغم هذا، لا يقابل هذا التسامح إلا بالمزيد من الكره والجحود من ذات الفئات”.

نعم، كل ما ورد سابقًا، والذي يمكننا اختصاره بعكس المقولة التقليدية لتصبح شعبين في بلد واحد، قاسٍ جدًا، بل ومؤلم ومخيّب جدًا، لكنه وللأسف، حقيقي. وهنا سأعود إلى موضوع المحافظتين الذي قلت إنني سأقوم بتوضيحه لاحقًا:

السوريون لا يكرهون كل لبنان، أو كل اللبنانيين، لأنهم تلقائيًا ودون تفكير، يقسمون لبنان إلى محافظتين سوريتين، لبنان 14 آذار، ولبنان حزب الله تحديدًا، وليس كل قوى 8 آذار، وعلى أساس هذه المعادلة، يحددون مشاعرهم وردود أفعالهم، حتى أن كثيرًا منهم حين يستخدم كلمة لبنان في هجومه، لا بد أن يستثني في نهاية حديثه حزب الله مما يقوله.

ولا بد أيضًا من توضيح أمرٍ مهمٍ جدًا، وهو أن كل ما ذُكر، نستطيع، وبمنتهى الثقة القول عنه: سابقًا، ليس لتغيرٍ في المواقف، وإنما لأن العام 2022 الذي يصنفه السوريون كأقسى سني الحرب، بسبب موجات ارتفاع الأسعار المتلاحقة، وشح المحروقات، وشبه انعدام الكهرباء لأسباب عديدة على رأسها العقوبات والحصار وفساد لا يستطيع أحد إنكاره، غيّر اهتمامات وأولويات السوريين تمامًا، فابتعدوا عن السياسة وكل ما يتعلق بها، وما عاد يعنيهم سوى الوضع المعيشي وملاحقة رغيف الخبز وليتر المازوت والبنزين وأسعار الصرف


الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق