أخبار مهمةمنوعات

إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء السادس


يتابع موقع جولان تايمز نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزئين الخامس و السادس

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x3001تزوّجْتُ مُبْكِراً، يا أبي..
خَطَبني زوجي، بعدَ حصولي على الشهادة الإعدادية الرسميّة.. في العاشر من تموز عام 1969م.. وعَلّمني، وكانَ مدير مدرَسَتي، في الصفّ العاشر.. وكنّا أول صَفّ سابع، وأوّل صَف عاشر في أوّل مدرسة رسمية.. وبعد ترفّعي إلى الصفّ الحادي عَشَر.. تزوّجنا… لم تكنْ راغباً بهذا الزواج المُبْكِر.. وكنتَ قدِ اتفقتَ مع خطيبي أن أبقى مخطوبة إلى أن أحصَلَ على الشهادة الثانوية (البكالوريا) لأنكَ كنتَ حريصاً على أن نتعلّمَ قدْرَ المُستطاع.. وأن نكونَ مُنتجين، ومُستقلّينَ اقتصادياً.. صبياناً، وبناتاً.. لكنّ خطيبي كانَ قد أقنَعَني أنّ علينا أن نتزوّج.. وعندما اعترَضْتُ أنني سأكمِلُ تعليمي – كما اتفقنا حين وافقتُ على الخطوبة – وَعَدَني أنّ باستطاعَتي إكمالَ تعليمي بعدَ الزواج.. فطلبْتَ من أمي الغالية، أن تتأكّد من ذلك.. فأجَبْتُها بالإيجاب.. فوافقْتَ، غيرَ مقتنع..
اصطحَبْتُ معي إلى دارِ الزوجيّة، (بدلة الفتوّة).. وعندما اقترَبَ موعِدُ افتتاحِ المدارس، أخرَجتُها لأغسلَها، وأكويها، تحضيراً لعَوْدَتي إلى المدرسة.. لكنني صُعِقْتُ، عندما قال لي زوجي بلطافة، ولكن بتأكيد : فاطمة، ما بيسمحوا لِك بالعَودة إلى المدرسة، لأنكِ متزوّجة… صرَختُ في وَجههِ، باكيةً، مقهورة : أنتَ وَعَدْتَني أنني سأكمِلُ تعليمي بعد الزواج..!! فأجابَني بلطافة، أيضاً : وأنا عندَ وَعْدي.. لكن عليكِ أن تدرسي في البيت.. وأنا أؤمّن لكِ المُدَرّسين.. يعني ( دِراسة حُرّة )…!!! كانَ عليهِ أن يُفهِمني ما معنى (الدّراسة الحُرّة).. وجُنِنْتُ، يا أبي….. إذن.. انقطَعتْ صِلتي بالمدرسة، وشقاواتها… انقطعتُ عن كتُبي وزميلاتي وزملائي.. عن أساتذتي وباحةِ المدرسة.. وعن اللهوِ في ساقية (عين الشيخ بدر) وعند (نبع الحلو) و… و… و…. و…. إلخ صِرْتُ امرأة… لم أعُدْ طالبة متعطّشة للحياة والعلم والمعرفة والشقاوات والطموح اللّامحدود…. انتهى طموحي يا أبي الغالي…..
كانتْ أمي تؤكّدُ لي، وهي تبكي عليّ، أنني كنتُ أتجَنّبُ السيرَ في الطريق، أو الظهور، عندَ خروجِ زملائي وزميلاتي من المدرسة، وعودتهم إلى بيوتهم..
أذكُرُ أنكِ، يا أميَ الغالية، جَذَبْتِني، مَرّةً، من كتفي، وأنا أتناوَلُ منكِ (صَينيّةَ العديس) لأنقّيه.. في بيتكم – بيتنا – بيت أهلي.. وأنتِ تطبخين، وإخوتي في مدارسهم.. ولا أحدَ في البيت غيرنا نحن الإثنتين.. وهزَزْتِ صَمتي غيرَ المألوفِ، صارخةً، دامعة :
( ولِكْ وينا فاطمة..؟! وينا..؟! وينااا!!!…؟! )… فتساقطتْ دموعي وامتزَجَت بدموعكِ على خَدّ كِلينا، يا أميَ الغالية..
******************************************
كانَ المَرَضُ عبارةً عن رَفضٍ للواقع.. تعبيراً عن عدم استطاعتي المواصلة في طريقٍ مسدود.. واقعاً آخرَ، شكّلَتْهُ وسائلي الدفاعية.. كشرْنَقة.. أو ككهفٍ مُظلمٍ، أو جزيرةٍ نائية، أختبئ وأحتمي في غياهبها المنعزلة، فيكون لي عالمٌ صغيرٌ ضيّقٌ مَحدودٌ وواضح، أستطيعُ التكيّفَ فيه مع أموري البسيطة، ومشاكلي المحدودة، التي تكفَلُ لي البقاءَ حَية.. فالعالَمُ الواقعيّ الجديد، ليست لديّ به أيّةُ خِبرة.. حتى ناسَهُ كانوا غريبين عني.. لم أستطع أن أشاركهم اهتماماتهم.. ولا أن أستغني عنهم.. وكان على مدير مدرستي، أن يصبحَ (زوجي) و (حبيبي).. وكان على (جَدّي الشيخ محمد علي) أن يصبحَ (عمي) و (ستّي أم علي بَدْرَة) أن تصبحَ (حماتي) و (عمتي عليا) أن تُصبِحَ ( بنت عمي)..
لا أريدُ هذه الحياة.. ولا أريدُ أن أموت.. الصراعُ الذي أنتَجَ مَرَضَ (القَمَه العَصَبيّ الشديد)..
كانَ الإحساسُ بالوحدة، يزيدُ من مخاوِفي.. بيتٌ منعزلٌ في (ضهر المريقب).. زوجي يذهبُ إلى عملِهِ كلّ صباح، كمدير مدرسة إعدادية وثانوية.. وزوجة عمي تذهبُ لترعى العنزة و (سَخْلَتِها) أو تزورَ بعض معارفها في القرية (المريقب) أو تعمل بالأرض.. وعمّي يذهبُ كلّ صباحٍ إمّا إلى الحقل.. أو إلى (الشيخ بدر) ليتبَضّع.. وأنا أبقى وحيدة، إلاّ من مخاوِفي وقهري وإحساسي بأنني لاشيء.. وبأنّ كلّ أحلامي السابقة، تكَسّرَتْ على صُخورِ الواقعِ المتألّبةِ الأشواك.. وقد كتبتُ الكثيرَ في تلك المرحلة، مثل :
( أكتبُ بالقلَمِ الأحمرْ….. والعنزةُ تجري في البَرِّ
تسألني : قولي ما فيكِ…… الدّمعَةُ تجري كالنهرِ
فأجيبُ، ورأسي فوقَ يدي…… ومليءٌ قلبي بالقهْرِ :
-لا أدري، يا عَنزةُ، مابي…… إني حائرَةٌ في أمري
الدنيا من حَولي حُلوةْ…… قمَرٌ، أو شمسٌ، أو نجمَةْ
والأرضُ تدورُ، ويملأها…… زوجٌ، ورفيقَتَهُ وطِفلةْ
لكنّي لا أرضى فيها…… دُنيا تغمُرُني في ظُلمَةْ
-الدّنيا حَوْلَكِ باسِمَةٌ…… فلماذا تبكي يا – طِفلة-..؟!
إنكِ تبغينَ سَعادَتَكِ…… تنسينَ الكونَ وما حَوْلَهْ
فأجيبُ، وحَلْقي مملوءٌ :…….. – إني لم أربَحْ في الجَوْلةْ
فحياتي ليستْ تُسْعِدُني…….. وجسمي يُقرِفني كُلّه
وبوَجْهي بعضُ حُبيباتٍ…….. خشِنٌ، لا تقبلُهُ (الدّولةْ )
******************************************
كانت حماتي قد أشفقَتْ عليّ، وطلبَتْ مني أن أذهَبَ معها لنرعى العنزة، تحتَ البيت.. فتناوَلتُ قلمَ رصاصٍ لونهُ أحمر.. ودفتراً، وممحاة.. كنتُ أعشقُ رائحةَ الوَرَقِ، يا أميَ الغالية..
وكانت في البيت مكتبة فيها العديد من الكتبِ القيّمة، ومجلّة (العربي) الكويتية.. كنتُ أشتري مجلة (طبيبك) ومجلة (الجيل) و (المختار) وبعضَ الكتُب ل (ميخائيل نعيمة) و (جبران) وغيرهما.. عندما أزورُ المدن، بدوافعَ صحّية، غالباً.. وأستعيرُ من (محمد سليمان صالح) بعضَ الروايات ل ( حنا مينة) وغيره.. لأنّ ( مكتبة الوعي ) التي كانتْ في بيتنا – بيتكم – بيت أهلي.. كنتُ قد قرأتُ كلّ ما كانَ يعجبُني منها، قبلَ زواجي.. كم كنتِ تشجّعينني على القراءة، يا أميَ الغالية..!! كلّ مساء، وحين نخلُدُ إلى النوم، بعدَ عناءِ نهارٍ كاملٍ، من الصباحِ، حتى المساء.. مع كلّ أفرادِ عائلتنا الكبيرة، الدافئة.. كنتُ تطلبينَ مني، وأنتِ تردّينَ اللحافَ عليكِ، وعلى أصغرِ إخوتي الذي ينامُ معكِ في السريرِ المعدنيّ.. وأنا وإخوتي وأخواتي ننامُ على فرُشِنا المبسوطة على أرضِ الغرفةِ الغربية.. بعدَ أن أكون أنهَيْتُ وظائفي المدرسية.. كنتِ تقولين لي : اقرئي يا فاطمة.. فأتناوَلُ من (مكتبةِ الوعي) روايَةً، أقرّبُها من ضوءِ (البَصْبوص) وأحَدّقُ بكلماتها، بصعوبةٍ بالغة.. وأقرأ… وما إن تتأكّدينَ أنني انسَجَمْتُ مع أحداثها، حتى تغفينَ، وأسمعُ شخيرَكِ المُمَيّز.. أناديكِ.. ولا تسمعين.. فلا أستطيعُ التوقّفَ إلى أن أنهي الرواية، أو أنهي جزءاً منها، وأضَعُ علامة.. لأكملَها في اليومِ التالي.. مازالت عندي مجموعة للشاعر الراقي (سليمان العيسى) واسمُها (رِمالٌ عَطشى) هنا في بيتي.. ممزّقة قليلاً.. لكنها ذكرى زمانٍ دافيء طبيعيّ واعِد.. وأيامٍ وسنواتٍ دافئةٍ خالدة. أستقي منها نَبْضَ أيامي.. وأستلهِمُ معاني طفولتي وعيشي معكم وبينكم ومع الجيران والأقارب والمعارف في (المريقب) قريتنا الغالية.. ومع الزملاء والزميلات.. والمدَرّسين.. وشقاوات الطفولة.. والفقر المادّي، والغِنى الروحيّ والإنسانيّ.. يُدفئ صقيعي، يا أميَ الغالية..
أريدُ أن أستريحَ قليلاً..
إلى اللقاء يا أمي………………………………
******************************************
كانَ عمّي (الشيخ محمد علي) مولَعاً ب (ميخائيل نْعَيْمِة) و (جرجي زيدان) و (أحمد زكي) رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية.. يقرأ – بتأثّرٍ بالغ- وانسجام.. بعدَ أن ينهي أعمالَهُ الحقليّة.. ويتغدّى مع زوجة عمي (أم علي) فيجلس ليشربَ (المَتّة) ويُدَخّن، ويقرأ بشغَف.. وأحياناً كانَ يقرأ على مسامعنا ودموعُهُ تنهمر من رواية (سبعون) لميخائيل نعيمة.. أو (داغستان بلدي) للكاتب الداغستانيّ المحبوب الرهيف (رسول حَمزتوف).. زوجة عمي لم تكن تعرف القراءة أو الكتابة، لكنها كانت تحفظُ الكثيرَ من الآياتِ القرآنية، والأحاديث الشريفة، ومن بَعضِ ما يُرَدّدُهُ على مسامعِها زوجُها.. وتفخرُ بذلك.. عمي، بالطبع، لم يدخل مدرسة.. لكنّهُ دَرَسَ عند (الخطيب).. وكان (الشيخ علي سلمان) يَجْمَعُ الأطفالَ، والشباب.. ويعَلّمهم القراءةَ والكتابة، ويحفّظهم القرآن الكريم، والأحاديث النبويّة الشريفة، وأقوالَ الإمام (عليّ) عليه السلام.. وإن تأخّرَ أحدٌ منهم ، يوماً، ولم يأتِ إلى (المدرسة) كانَ عليهِ أن يُبَرّرَ غيابَهُ، ويأتي بإثباتات على صِحّةِ المُبَرّر.. كانَ أسلافُنا يحدّثوننا كيفَ كانَ يثقُ بابنِهِ اللامع (الشيخ صالح العلي) وكيفَ كانَ يفضّلُهُ على كلّ أبنائهِ وبناتِه.. لكثرَةِ (بَراهينه) الناتجة عن استقامَتِه، ونزاهَتِه.. (الأنبياء لهم مُعْجِزات.. والأولياء لهم كرامات ) هذا ما سمِعْتُهُ من (مروان شيخو) عبرَ (إذاعةِ دمشق) في أحدِ الأيام.. عندما كنتُ أستمعُ إلى برنامجهِ من المذياع البُنيّ الذي أحضَرَهُ لي زوجي بعدَ ذهابِهِ إلى الجيش (الخِدْمة الإلزامية) بعدَ زواجنا بحوالي عشرةِ أشهُر.. ممّا زادَ من وَحْشَتي وغُربَتي..
بقيَ عدّة أشهر لم أرَهُ فيها.. كانوا في (الدّورة) التي على كلّ جُنديّ أن يخضَعَ لها في أوّلِ وُصوله.. وقد فرَزوهُ إلى سلاحِ (المُدَرّعات) كملازم أول.. لم يكنْ يحبّ هذا الإختصاص، كانَ يضحكُ وهوَ يردّدُ على مسامِعِنا ما قالَهُ لهُ الضابط، عندما أعلنَ فرْزَه : (تصوّر، ما أجملَ أن تُلتقَطَ لكَ صورة، وأنتَ تقفُ بثيابكَ العسكريّة، في أعلى الدّبّابة، وترسِلُ الصورةَ إلى خطيبتِك..!! كم ستكونَ فخورةً بك..!! ) كان يضعُ المحبَسَ الذهَبيّ المطليّ ب (البلاتين) في خُنصُرِهِ الأيمن.. لم ينقلْهُ إلى الأيسر، بعدَ زواجنا، لأنهُ كانَ واسِعاً..
شارَكَ زوجي في حرْبِ السادسِ من تشرين الأوّل عام 1973م.. كنتُ خلالَ تلكَ الفترة، أقضي أغلبَ أوقاتي عندكم، يا أمي.. وأحياناً، أطلعُ إلى بيتنا في (الضَّهْر)..
أتذكُرينَ، يا أمي..؟!
كنا أنا وأنتِ نخبزُ على (التّنّور).. مازالتْ بقاياهُ وحيطانُهُ الثلاثة قائمة غربيّ بيتنا – بيتكم – بيت أهلي.. في (الخِربة) مكانَ (أوضة الغربية) من البيتِ الطينيّ القديم.. كنّا نستمعُ إلى المذياع، أنا أرُقّ لكِ الأرغفة بكفيّ، وب (الشّوْبَك) وأهِلّها، قبلَ أن أفرُشَها على (الكارة) فتتناوَلينها مني، تسوّينَ أطرافَ الرّغيفِ، قبلَ أن تلصِقينهِ (تلزقيهِ) على سطحِ (التّنّورِ) من الداخل.. والجَمْرُ يتوَهّجُ في أسفلِه.. كانَ (تنّورُنا) يتّسِعُ لأربعَةِ أرغفة.. كلّما نضَجَ رَغيفٌ، تتناوَلينَهُ برَشاقة، وتضعينَهُ فوقَ إخوتِهِ على (الطّبَقِ) المصنوعِ من قَشّ الحنطة.. و(تلزقينَ) رغيفاً آخر.. إلى أن ننهي (الخَبْزَة).. فأحملُ الطبَقَ على رأسي، وأصعَدُ بهِ إلى البيت، أضعُهُ على المَجلى في المَطبَخ.. أفرُدُ الأرغفةَ المئة، أو الثمانين، أو المئة وعشرة.. فوق الطبق، كي تبرُدَ، قبلَ أن أجمَعَها، وأغطّيها بقِطعَةِ قماشٍ بيضاءَ نظيفة.. قد تكفي العائلة، والضيوف، ليومَين.. تعودينَ وتعجُنينَ (عَجْنَةً) أخرى، تقدّرينَ عَدَدَ أرغِفَتِها بخِبْرَتِكِ العالية.. وكم (حَمْوِة) تحتاج..
عندَ بداية الحربِ، كنّا على (التّنور) والمذياعُ البُنّيّ يذيعُ برامِجَ عادية، قبلَ أن يأتي (اسماعيل) إبن عمتي (فاطمة) رحمَهُ الله، ويقفِزَ من فوقِ سورِ (الخِرْبَة) ويخبِرَنا – بصوتِهِ الحَماسيّ الشّاب، أنّ الحَرْبَ وَقَعَت.. وبسُرْعَةِ البَرْقِ، أدَرْتُ الإبرَةَ إلى (إذاعَة الجمهوريّةِ العَرَبيّةِ السوريّة، من دمشق).. كانتِ الساعةُ الثانية إلاّ عشرِ دقائقَ، بعدَ ظهرِ يومِ السبتِ، السادسِ من تشرين الأول عام 1973م العاشر من رمَضان عام 1393 هجريّة..
******************************************
كانَ عمّي، وزوجةُ عَمّي، حَنونَينِ جداً عَليَّ.. يُحِبّانني، وأحبُّهُما.. ولعائلتهم، وعائلتِنا علاقةُ احترامٍ، وتقديرٍ، وثقةٍ مُتبادَلة.. بَكَتْ زوجةُ عمي – حَماتي – وهيَ تخبرُني، بعدَ زواجي، كم كانتْ سعيدة هيَ وعَمي، لدَرَجَة أن دَمَعَتْ عيونُهُما، عندما أخبَرَهُما ابنهُما أنهُ سيخطبُ (فاطمة بتّ صالح سليم).. هو الحَنونُ الجميلُ الهادئُ المَحبوب.. لكنّهُ لم يتزوّج، بَعْدُ، و (مو ناقصو شي.. مخلّص جامعة.. ومتوظّف.. وألف بتّ بتتمَنّاه..) وقد صار عمرُهُ سبعة وعشرين عاماً..
******************************************
اليوم الأحد الثالث عشر من تشرين الأوّل 2013م..
في مثلِ هذا اليوم، توفيَ إلى رَحْمَةِ الله، الغالي (اسماعيل) إبن عمتي (فاطمة) عن عُمرٍ يقاربُ الخامسةَ والعشرين عاماً، بعدَ مُعاناةٍ لا توصَفُ من مَرَضٍ عُضال..
كانَ شَرْطُهُ الوحيد ليتعاوَنَ معَ الأطباء، في محاولةِ إنقاذه، عن طريقِ العلاجِ الكيماويّ، وغيرِه، ألاّ يُخبِروا أمّهُ بحقيقةِ مَرَضِه.. ولم تعرفْ عمتي الغالية، إلاّ عندما اشتدّ عليهِ المرَضُ، ولم يعُدْ يمكنُ إخفاءُ شيءٍ عنها..
كانَ يخدمُ العَلَمَ، الخدْمَةَ الإلزامية في (حلب) عند أخي الغالي (اسماعيل) الذي كانَ يُرَدّدُ دائماً ما مَعناه : (إذا كانَ العَذابُ يُطهّرُ الإنسانَ منَ الذنوب، فبالتأكيد، “اسماعيل” إبن عمتي، فوراً إلى الجَنّة )..
هناكَ قُروحٌ في روحي، لا يُدْرِكُ كُنهَها سوى الذي خَلَقَني.. لا أريدُ إظهارَها هنا، يا أمي.. لأنها تجرح.. بل، تكوي.. وتغيّرُ الكثيرَ من نظرَةِ بعضِ الناسِ إلى بَعضِهم.. هل هوَ إنكارٌ للحقيقة..؟! لا.. فقد أوضَحْتُ الحقيقةَ لمَن تعنيهم.. وكانتْ ردودُ أفعالِهِم مُتفاوِتَة.. وغالباً، انهِزاميّة.. يُطَأطِؤونَ الرؤوسَ أمامَ الأقوياء.. مُتجاهِلينَ أنّ قوّةَ الحقِّ أقوى مِن كلّ قوّة..
***********************************************
أمي.. اليوم شُيّعَ الشهيدُ الرابعُ والعشرين، إلى قرية (شريجس) شابٌّ وسيمٌ ، هو رابع شهيد من عائلتهِ في هذهِ الأحداث.. استُشهِدَ في (زَمَلكا).. وقبلَ عِدّةِ أيام، أخبَرَتني الغالية الدكتورة، أنّ زوج (هِبَة) الشابّة الجميلة، التي تعمل في تنظيفِ البيوت، ومنها بيت الدكتورة، وبيتي، قد استُشهِدَ في (خناصِر) عند (حلب).. لها وَلَدان، بنت في الصفّ الرابع الإبتدائي (التعليم الأساسي) وصَبيّ أصغر منها..
(هِبَة) تعاني من مُشكِلة صحّية، خَلْقيّة (استقامَة في العمود الفقْريّ) تُغري حَماتَها (خالتَها) بالهَدايا (ثياب مُستَعْمَلة، مثلاً) كي تنطُرَ لها الطفلَين، ترعاهُما في غيابها، وبعدَ إنهائها لأعمالِها في البيوت، تعودُ (هِبَة) إلى بيتِها الذي مازالَ قَيدَ التأسيس.. تنظّفهُ، وتطبخُ لطفليها، تحمّمهما، وتساعدهما في دروسهما، أثناءَ موسمِ الدراسة.. وتذهبُ إلى الحقلِ، تزرَعُ الخُضارَ، والحبوب، بقدونس، نعناع، خسّ، رشّات، بصَل، ثوم، سبانخ، سلق، هندباء، حنطة، عديس، حمّص، تبغ.. وغيرَها.. تكفي كمؤونة لأسرتِها لمُدّةِ عامٍ كامل.. وتبيعُ منها.. قبلَ أن تعودَ وتزرَعَ للعامِ القادم.. النقودُ التي تأخذها من مُشَغِّليها، تصرفها على صغيرَيها، وعلى نفسِها، وأحياناً، على زوجِها الذي قالتْ أنّهُ كانَ شِبْهَ عاطِلٍ من العمل.. طُلِبَ إلى (الإحتياط) خَدَمَ في (تَلكَلَخ) وفي عِدّةِ أماكِن أخرى.. كانَ لا يأتي سوى كلّ عِدّةِ أشهُرٍ، مَرّة.. تُعَطّلُ عَمَلَها في البيوتِ، أثناءَ وُجودِه.. مَرّةً واحِدَةً رأيتُهُ منذ عِدّةِ أشهُرٍ، في عيادةِ صديقتي.. كانَ قادِماً ليَعتذِرَ من الدكتورة عن زوجَتِهِ التي تخجَلُ أن تترُكَ العَمَلَ عندها، بحجّةِ أنّ الدكتور أخبَرَها أنّ عَليها بالراحة، لأنّ وَضْعَ ظَهْرِها لا يَحتمِلُ التّعَب.. لكن، ما إن عادَ إلى الخِدْمَة في (خَناصِر) حتى عادتْ (هِبَة) لتعمَلَ في البيوت.. وعندما سألتُها عن ظَهْرِها، قالتْ : الدكتور يطلبُ منّي الراحة، وأنا كيفَ سأعيشُ إن ارتَحْتُ..؟! كيفَ سأرَبّي طِفلَيّ..؟! أعلّمُهُما، وأطعِمُهُما، وأكسوهُما، وأداويهُما، وأداوي نفسي، إن لم أشتغِل..؟! وإذا – لاسَمَحَ اللهُ – صارَ على زوجي شيء، كيفَ سأدَبّرُ أموري..؟! وكيفَ ستكونُ حالَتي..؟! قلبي يقولُ لي أنهُ لن يعود..!!
لن أعَلِّقَ، يا أمي..
***
كنتُ سأكتبُ الوقائعَ الهامّةَ، واليوميّةَ، في هذهِ الرواية.. لكنني لم أستطِع.. لعِدّةِ أسباب..
أمي.. في قرية (الرّقْمِة) تجاوَزَ عَدَدُ الشهداءِ الثلاثينَ شهيداً، وشهيدة.. وفي الكثيرِ منَ القرى، تجاوَزَ العشرَةَ شهداء.. أقَلّ، أو أكثر.. في قريَتِنا الغالية، كانَ أوّلُ شهيدٍ، في أوائِلِ الأحداثِ، في (حِمْص) العَميدُ الرّكْنُ المُتقاعِد (عيسى صالح عبد الرحمن سلامي) إبن إبن عَمّتِك ( البَطَلة، آمنة صالح صالح) التي شارَكَتْ بالثورَةِ ضِدّ الغزاةِ الفرنسيينَ في مَطلَعِ القرنِ العشرين (الماضي) إلى جانبِ إخوَتِها، وغيرِهم منَ الثوّارِ، والثائرات.. ثمّ تزوّجَتْ رجُلاً طيّباً، بسيطاً.. هاجَرا معاً إلى (الأرجنتين).. واستقرّا في (التوكومان).. وأنجَبا عِدّةَ أبناءَ، هم (علي.. و.. عبد الرحمن.. و.. يحي.. و.. كامل.. و.. صالح ) وابنة واحدة، هي (سَعْدَة) كانتْ تكبرُكِ بعامَين.. ما تزالُ تعيشُ مُتَنَقّلةً بين (الأرجنتين) و (أسبانيا) عند ابنتها (ماريا) و ابنَيها (صالح) و (آصف).. (سعدة) من المظلوماتِ اللاتي تزوّجْنَ من رجالٍ أكبر من آبائهنّ.. لأنهنّ من بناتِ العَرَبِ القليلاتِ في (الأرجنتين).. وكما أخبَرْتِني، يا غالية، في روايتكِ، التي لكِ الحقّ بأن تُنسَبَ إليكِ (نبْضُ الجذور).. كم كنتِ تحدّثيننا عن عذاباتها، عندما تزوّجَتْ من ذلكَ الشيخِ الجليل..!! (من بيت الشيخ علي عيد، في جَبْلة)..!! وكم حَنِقْتِ مِنها عندما جاءَتْ، في إحدى زياراتِها إلى الوطن (سوريا) وعندما سألَتْ عنكِ، أخبَروها من ضِمْنِ ما أخبَروها أنني تزوّجْتُ من (إبن الشيخ محمد علي اسميعيل) الذي كانتْ تعرِفُ أباهُ الفاضِل، من (الأرجنتين) عندما كانَ مُغتَرِباً.. كانت تحبّهُ وتحترمُهُ، كما الجميع.. لكنّها استنكَرَتْ زواجيَ المُبْكِر، وسَكَني في بيتٍ منعزِل.. فاتصَلَتْ بكِ – يوماً – وطلبَتْ منكِ أن تأخذيني إلى بيتكم، كي لا أبقى وَحيدة، وأعاني غُرْبَتَين… لكنّكِ حَنِقْتِ على تدَخّلِها فيما لا يَعنيها.. وكأنها تعرِفُ ما يجبُ فِعْلُهُ أكثرَ منكم..!!! (لو يسمع بَيّك بهالحكي، كان بيجنّ..!!).. (هالحكي) كانَ حُلُماً عندي، يا أميَ الغالية..
ف (الجَنّة، بلا ناس.. ما بتنداس)..

على الصفحةِ التالية من الدفترِ الذي أنقلُ منهُ ما كتبتُهُ سابقاً، هنا، على اللابتوب.. كتبتُ في منتصَفِ الصفحة، ما يلي :
ومنذُ حوالي شهر، استُشهِدَ إبن جيراننا، (النقيب.ملاذ ) على الحُدود، قُرْبَ (دَرْعا).. ولم يُحْضِروا جُثمانَهُ حتى الآن..!!
(كنتْ شايفة حالي فيكُن يا ماما..!!! آااااااخ..!!)
(ألله يرحَمُه يا أم (ملاذ ).. ان شاء الله، بتضَلّي شايفة حالِكْ فيه..)
(- آخ يا وَيْلي على هالشّوْفِة الحال..!!)
***********************************************
أوّلَ أمس، توفّيَ الفنّانُ المُبْدِعُ الأصيل (وَديع الصافي) (وَديع فرَنسيس) عن عمرٍ بلَغَ (92) عاماً.. نَعَتْهُ (الهيئة العامّة للإذاعة والتلفزيون) و (وزارة الإعلام) السوريّتان.. سيُدْفَنُ غداً في الثانية بعدَ الظهر.. رحِمَهُ الله..
نَعَوتُهُ أنا على صَفحَتي على (الفيسبوك) من (لابتوب صديقتي، الدكتورة) لأنّ (كمبيوتَري) (عَطاكن عُمرَه).. (الدّايم ألله)..!!
كتَبْتُ على صَفحَتي مَقاطِعَ من أغانيه.. لا قَتِ الكثيرَ منَ الإعجاب.. وبعضَ التعليقات (المُبْدِعُ لا يموت.. فهوَ خالدٌ في أعمالِهِ الإبداعيّة.. وفي وِجْدانِ الأجيال.. )
***********************************************
أكثرُ المَحَطّاتِ التلفزيونيّةِ، والإذاعيّة، تغطيَةً لما يجري في (سورية) بمِصْداقيّة، هيَ (المَنار) و (النور) التابِعَتَينِ ل (حِزْبِ الله).. و ال (NBN) التابعة ل (نبيه برّي) (حَرَكة أمَل) اللبنانيّتَين.. وأحياناً (المَيادين) و (روسيا اليوم)..
حَفيدَتُكِ الإعلاميّة (يارا محمد صالح) كانتْ معَ زميلَتِها الشهيدة (يارا عباس) من أوائلِ (المُراسِلاتِ المَيدانيّات) كانتا تُرافِقانِ (الجيشَ العربيّ السوريّ).. وتنقلانِ ما يَحْصَل، من أرضِ الواقع..
***********************************************
(صَلاةٌ مُشتَرَكَةٌ من جميعِ الطوائفِ، تُقامُ في “لبنان” من أجلِ السلامِ في “سورية” ) دَعَتْ إليها (الكنيسة الأرثوذوكسيّة)..
***
هَيّا مَعي يا أمي.. هَيّا.. لنقرأ، ونتذكّرَ مَعاً أيّامَ كُنتِ تقولينَ لي : اقرئي.. اقرئي.. وارفَعي صَوْتِكِ (وعَلّي صَوْتِك) كي أسمَعَكِ.. وما إن أقرأ عِدّةَ أسطُرٍ، من إحدى الرواياتِ التي تناوَلتُها للتّوِّ من (مَكتبةِ الوَعي) على ضوءِ (البَصْبوص) وأنا نائمة مع إخوتي على الفرشِ على أرضِ الغرفةِ الغربية، وأنتِ في سَريرِكِ المعدنيّ المُزدَوِج، الذي أحضَرتُماهُ معَكما أنتِ وأبي من (الأرجنتين).. ذلكَ السرير الذي كانَ يضمّكما في السنتينِ الأوّليّتَينِ من زواجِكُما.. وإلى جانِبِكِ أصغر إخوتي.. حتى أسمَعَ شخيرَكِ.. بعدَ يومٍ عاديٍّ مُضني، ومُرْهِق.. ككُلّ يوم.. لكنني لا أستطيعُ أن أنامَ دونَ أن أكمِلَ الرواية.. هكذا كنتِ تشجّعينني على القراءةِ، يا أمي..
لم أكنْ أعرفُ أنكِ تحبّينَ القراءةَ، وتستمتِعينَ بالشّعر، إلى هذهِ الدّرَجَة.. سوى في الفترةِ الأخيرةِ التي بقيتُ فيها إلى جانِبِكِ يا أمي.. قبلَ أن ترحَلي.. كنتُ أقولُ لكِ : هل أقرأ لكِ ماكَتَبْتُ من شِعر، أو من نثر، أو بَعضاً من روايتِنا نحنُ الإثنتَين (نَبْضُ الجُذور) أو مَقالاً قرأتُهُ وأعجَبَني..؟! فتُرَحّبين.. (لكان، أبتقري..؟! إي والله اقري فوراً ) فأقرأ على مسامِعِكِ، وأسألُكِ : – حلو..؟! فتُجيبينَني : (لكان، مو حلو..؟! حلو كتير..).. كم كنتِ تنفَعِلينَ بما أكتب..!! أو، عندما أقرأ لكِ بَعضاً من (نبضُ الجذور)..!! كنتِ تستعيدينَ الأحداثَ، وتقولينَ لي – بتعَجّب- : ( – شو عَرّفِك..؟! كإنك كنتِ حاضرة..!!) فأرُدّ : (مو إنتِ اللي نقّلتيني ايّاها.. يا إمّي..؟!)
(- إي والله، صحيح..)
وكثيراً ما كُنتِ تُضيفينَ لي بعضَ الأحداثِ التي كنتِ قد نسيتِها أثناءَ كتابَتي للرواية.. وكنتُ أسَجّلُها على ورَقة، أو على دفتر.. لكنّ أوراقي كثيرة.. وكثيرة جداً.. وأحياناً مُبَعْثَرة..
*********************************************
تراكَمَتِ المُعيقاتُ، والحاجاتُ التي كنتُ أصطدِمُ بصخورِها القاسية، العَصيّة على الإقتلاع، ومن المُستحيلِ حَلحَلَتُها، أو الخروجِ من رِبْقِها، أو تجاوُزها. فأنهارُ، وأسقطُ عاجزةً مُتلاشيةَ القوى، دونَ سلاحٍ، ولا ذرّةِ أمَل، ولا أيّ مُعينٍ يفهَمُ ما حَلّ بي، كي يعرفَ كيف يساعِدُني.. فطلَبْتُ الذهابَ إلى (طبيبٍ نفسيّ).. ولم يكنْ ذلكَ ممكناً سوى في العاصمة.. كنتُ أخترعُ من خيالي أهدافاً بسيطة.. كأحلامِ فأرة.. بإمكاني الوصولُ إليها بجهدٍ بسيط.. تتكفّلُ برَفعِ معنوياتي فوقَ الصفرِ، بذَرّة.. وتشجّعُني على رَسْمِ أفقٍ آخر.. ومُحاوَلةِ الوصولِ إليهِ، لرَسْمِ أفُقٍ آخر، والسعيِ نحوهُ بلا طاقةٍ تُذكَر.. كأنني أزرَعُ الوقتَ الثقيلَ ببذورِ الأمَلِ المُرتَجى.. كتبتُ مَرّةً في إحدى أقسى الحالات : ( نيرانٌ تكوي الضلوع.. براكينُ تُذيبُ الصّخور.. لكنّ هنالكِ بَصيصَ نورٍ، بَعيدٍ.. بعيد.. يوحي بالإقدام……. إلخ )..
لم يَبخَلْ عليّ زوجي بكلّ مايستطيعُ من مالٍ، وجَهْدٍ، وعاطفة.. في محاولاتٍ حَثيثةٍ لأستعيدَ صِحّتي.. كان يأخذني بسيّارة تاكسي (طَلَب) من طرطوس، إلى دمشق.. وقَبلَ أن أنهارَ تماماً، وعندما بدأتُ أشكو من آلامٍ في رأسِ مَعِدَتي، أخذني عمي الغالي(علي) (أبو مَعن) معَهُ إلى الدكتور (جوزيف) من أفضل الأطباء في دمشق (استُشهِدَ على أيدي خُوّان المُسلمين) .. كان عمي يقيمُ مع عائلتهِ، في بيت الشهيد المرحوم (صالح محمد صالح) (أبو علي) قربَ مَشفى (المُجتهِد).. وكانَ قدِ استأجَرَهُ بعدَ استشهاد صديقِهِ، وصَديق الجميع (أبو علي) المُساعد أوّل في الجيش العربي السوري، الذي استُشهِدَ قبلَ زواجنا بحوالي ثلاثة أشهر.. ولشدّةِ حُزننا وحُزنِ الجميعِ عليه.. لم نعمَلْ حفلةَ زفاف.. بل، استأجَرَ خطيبي سيّارة تاكسي.. اصطحَبَني فيها إلى (فندق السّفير) في طرطوس.. وبعْدَ يومَينِ من زواجي.. جاءَ أبي إلى عندنا في الفندق.. خَجِلْتُ جداً، وأنا في (قميصِ النوم) حاوَلَ ألاّ يجعَلني أخجَل.. وألاّ ينظرَ إليّ إلاّ بشكلٍ مُوارِب.. متضاحِكاً، مُحاوِلاً أن يبدو سَعيداً… لكن…………..!!
أمي…
لكن..
لكنّهُ فاجأنا بكلّ ما يستطيعُ من تَماسُك، أنكِ وَلَدْتِ لي أخاً.. لكن يبدو أنهُ مريضٌ منذُ الوِلادَة.. فرِحْتُ وتفاجأتُ وخَجِلتُ.. سألتُهُ : – لكنّ أمي كانتْ تقول أنّ مَوعِدَ ولادَتِها بعدَ عشرينَ يوماً..!! أجابَني : وَلَدَتْ.. لكنّها تَعِبَتْ جداً بالولادَة… نظرتُ في عَينيكَ الخضراوَين الجميلتَينِ، يا أبي الغالي.. وأنا مُستَنفَرَة : – شو يعني..؟!! – يعني هي الآن مريضة.. لكنّها تحَسّنَتْ قليلاً.. جُنِنْتُ، دونَ أن أستطيعَ البَوحَ بمخاوِفي عَليكِ، يا أمي.. أضافَ أبي : – كنتُ آتياً إلى (طرطوس) بشغلٍ، لكنني أحببتُ أن أزوركما هنا.. وأن أخبرَكما أنها مريضة قليلاً… قلبي طارَ من صَدري يا أبي.. سألهُ عريسي إن كانَ علينا أن نعودَ إلى القرية.. فأجابَ بالنفي….. أمي…. بحَدْسي، أدرَكْتُ أنّ أبي لم يكنْ آتياً إلى (طرطوس) إلاّ ليُخبِرَني أنكِ مريضة.. بل، ومريضة جداً.. تأكّدْتُ من ذلك، وأنا أرى اضطرابَهُ البالغ، وهو يحدّثنا بابتسامٍ مُصطَنَع.. لاحَظْتُ ارتجافاً غيرَ مألوفٍ بصَوتكَ، يا أبي.. أنتَ القويّ الرّاسِخ… لكنّكَ أكّدْتَ لنا أنهُ لا داعي لأن نعود.. بل، علينا –فقط – أن نعرفَ أنّ أمي مريضة من الولادة.. لم أقتنعْ يا أمي.. غادَرَنا أبي.. وبقيتُ، ولم أبقَ، مع عريسي في الفندق.. لاحظَ خوفي واضطرابي.. حاوَلَ تهدِأتي، دونَ جَدوى.. طلَبْتُ منهُ أن نعودَ إلى القرية لأرى أمي.. لكنّه قالَ لي : ما رأيُكِ أن نطمئنّ عليها عبرَ الهاتف..؟! وافقتُ.. نزلنا إلى الطابقِ الأسفلِ من الفندق.. طلَبَ من النادلِ، أن يتّصِلَ لنا إلى (الشيخ بدر) حيثُ لم يكُنْ هنالكَ جهازُ هاتفٍ، سوى في دُكّان تاجر القماش.. جاءَ الصوت.. تناوَلَ السّمّاعةَ من يَدِ الرجل.. وأنا خَلفَهُ في أقصى دَرَجاتِ خوفي عليكِ، يا أمي..
-ألو… ألوووو.. ألو ألو… أنا فلان أسألُكَ كيفَ هيَ (المريقب)..؟! فيها شيء جَديد..؟!!
-شو.. لكان ما سْمِعتْ….؟!!!
اضطرَبَ، وهوَ بالكادِ يسمعُ ما يقولُ (أبو محمّد)..
– ماسمعتْ شو..؟!؟!
هنا… كانَ لدَيّ عَقلٌ….. وطااااااااااار…………..
صَرَختُ.. عِدّةَ صَرَخاتٍ موجِعَة….. أسرَعَ لتهدأتي، وطمأنتي أنّ (أبو محمّد) لم يكنْ يقصدُ أكثرَ ممّا حَدّثَنا بهِ أبي.. لكنني لم أصَدّق.. وطَلَبْتُ العودَةَ حالاً إلى القرية.. وأمامَ اضطرابِهِ، وإحراجِهِ من تصَرّفي المجنون.. قرّرَ أن يمتثلَ لطلَبي.. استأجَرَ تاكسي.. وعُدْنا بها إلى القرية.. كانتْ جموعٌ من عَشَراتْ النساءِ والرّجالِ والأطفالِ، أمامَ بيتنا – بيتكم.. يا أمي الأغلى… دَخَلتُ مُسْرِعَةً أريدُ أن أراكِ.. لكنّ عَمّاتي، وبالأخصّ (فاطمة ) حَريصاتٍ على ألاّ أدخُلَ قبلَ أن أهدأ…. لكنني رَجَوتهنّ…..
دخلتُ…
أمي……………………….!! آاااااااخ عليكِ يا أميَ الغالية……..!!
الحمدُ لله..
بشَرَفِكِ، يا أمي…… أما آنَ لي أن أستريحَ، قبلَ أن أتابِعَ السّرد…؟؟!!!
***********************************************
-اكتبي.. اكتبي يا فاطمة.. ومتل ما بيقول الشاعر (وما مِنْ كاتِبٍ، إلاّ سَيَفنى…. ويُبقي الدّهْرُ ما كتَبَتْ يداهُ…… فلا تكتبْ بيدّك غيرَ شيءٍ…. يسرُّكَ – في القيامةِ- أن تراهُ )
وتتابعين..
– والله يا إمي، هَوْدي أحسن لك من الولاد.. (وتقصدين، كتبي التي ألّفتُها..)
كم كنتِ سعيدة، لأنني أصبَحْتُ شاعرة، وكاتبة.. معروفة.. ومُحتَرَمة من قِبَلِ الكثيرين..!!
*********************************************
طَلَبْتِ مني أن أحْضِرَ ورَقةً، وقلَماً..وأكتب (سلامٌ عليكمْ.. شَرّفَ اللهُ قَدْرَكُمْ…. ودامَتْ عليكمْ نِعمةٌ، وسُرورُها…. فلا تنقضي الأيامُ إلاّ بقُرْبِكمْ…. وأنتمْ ضِيا عيني اليمينِ، ونورُها )
-تسلم عينِك اليمين، واليسار، وصاحبتهما.. يا أميَ الغالية.
ففعَلْتُ.. أخبَرْتِني أنكِ تريدينَ أن تهدي هذينِ البَيتين، لأبنائِكِ، وبَناتِك، وأحفادِك، وحفيداتك، وكَنايِنِك.. قلتُ لكِ :- اكتبيها أنتِ بخطّ يَدِكِ، يا أمي.. يَسعَدونَ بها أكثر..
-قَوْلِكْ..!!
-طبعاً يا أمي..
-والله ما بعرف إذا بقا أعرف إكتب..
-ولوووو….!!
-يا الله.. هاتي تشوف..
لكنني لاحَظْتُ لأوّلِ مَرّة، أنّ خَطّ يدَكِ المُمَيّز الحنون.. ينحَرِفُ عن الأسطُرِ المتوازية.. وأحياناً تكتبين الكلمة التالية، على يمين الأولى.. فاقترَحْتُ عليكِ ألاّ تتعِبي نفسَكِ بكتابةِ أوراقَ كثيرة.. فأنا سأتكفّلُ بكتابَتها على الكمبيوتر، لمرّة واحدة.. وأطبَعُ لكِ عَدَدَ النّسَخِ الذي تريدينَ، وأكثر..
-عن جَدّ..؟!
-شو رأيِكْ يا إمي..؟! مو أحسن من هالتّعْبِة..؟! لشو خلق الكمبيوتر..؟! مو من شان راحة الناس، وتسهيل أعمالهم..؟!
-إي والله ممتاز..
ففعَلْتُ.. وبعدَ أن عَرَضْتُ عليكِ نموذجاً أعجَبَكِ، طبعْتُ لكِ نسخاً كثيرة، وأخذتُ رأيكِ، كي نختصرَ من استهلاكِ ورَقِ الطباعة، أن نقسِمَ الورقَ إلى حَجمٍ صغير، ونضعَ كلَّ نسخةٍ في ظرفٍ أبيضَ مُستطيل، عليهِ خطوطٌ زهريّةٌ، وسماويّة.. دونَ أن نطوي الورقة..
ثمّ تكتبينَ، بخطّ يدِكِ، على كلّ ظَرْفٍ، الإهداءَ الذي تصوغينَهُ من روحِكِ الطيّبة، باسمِ كلّ شخصٍ من أحِبّائك.. أدُلّ قلَمَكِ، بسَبّابَتي، على مكانِ الكلمة..
فجَعَلتِني أحتفظُ بالظروفِ المُزَيّنة بخطّ يدِكِ المُمَيّزِ، في درجِ الكمودينة، قُرْبَ سَريرِكِ الذي كانَ في الغرفةِ الوُسطى (أوضتنا) وكلّما كانَ يأتي أحدُ أحبائكِ، كنتِ تُهدينهُ ظَرْفَهُ الخاصّ.. وتتبادَلانِ القُبَلَ الدافئة، وأحياناً.. الدموع…
احتفظَ الجميعُ بهَديّتِكِ الراقية، كتميمَةٍ ثمينة.. ودُرّةٍ فريدة..)


الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق