أخبار مهمةمنوعات

(صلاةٌ.. لغيومكِ القادمة ) الشاعرة والروائيةالعربية السورية فاطمة صالح صالح


(صلاةٌ.. لغيومكِ القادمة )

الشاعرة والروائيةالعربية السورية فاطمة صالح صالح

تنزيل

ضوء على القول
  خالد أبو خالد

          أهي رواية .. أم عدة روايات هذه التي كتبتها فاطمة صالح .. تحت عنوان / صلاة ٌ لغيومك القادمة / ..؟!
إن الإجابة على سؤال كهذا يجب أن تأخذ باعتبارها أن شكل الرواية ، ليس قالبا ً جاهزا ً، في صيغة محددة ، لا تكون رواية إلا إذا تقولبت فيه ..
من هنا .. سواء كانت رواية ، أم روايات .. فالأمر سيان .. لأن فاطمة ، في نصها هذا .. أنما تحاول أن تسرد صورة حياة تمتد من قرية في سورية ، إلى خريطة تشمل سورية ، كما فلسطين ، والعراق .. أو أية قرية عربية أخرى .. فالمتلقي الذي يأخذها كما هي ، لا يقرأها فحسب .. وإنما يعيشها.. ويستحضر فيها ذاكرته التي خلفها بعيدا ً يوم استرقته الأحداث .. ومدن ومسافات ومساحات من الغربة ، إلى الغربة .. حيث الاغتراب ليس مشروطا ً بالمنافي وحسب .. ولكنه حالة يعيشها الوجدان أبدا ً .. طالما أنه محاصَر بالظلم والجهل والتخلف ..
وهي الحالة التي لا يعزيها سوى هذه النفوس الصافية النقية .. موضوع الاغتراب ، وموضوع العذابات ، وموضوع الرواية .
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد الفراغ من قراءة هذا النص .. هو ، ياترى .. كيف استطاعت فاطمة أن تقارب هذه الشخصيات ، بمستويات تلاوينها، ومسلكياتها ، ومواقفها ..؟!
هل لأنها كاتبة تتمتع بحساسية عالية ، تتيح لها مثل هذه المقاربة ، التي لاتخلو من معرفة ضرورية ، اكتسبتها بالمعايشة ، كما باحتمال ما يمكن أن ينوء به إنسان عالمها ..؟!
الجواب نعم ..
وإذا ما أردتُ أن أضيء أكثر .. ومن زاوية لاتقع في باب النقد حول المبنى .. لا المعنى .. فإني أجرؤ على القول بأن رواية فاطمة صالح ، هي روايات عديدة .. لو قدر لها أن تعيد كتابتها ، لصاغتها في أكثر من نص واحد ، يكون غنيا ً ، كغنى هذا النص الذي بين أيدينا .. والذي حاولت الكاتبة – الشاعرة .. أن يكون رؤية / بانورامية / لعالم لا يوازي الواقع .. ولا يحاكيه .. وإنما هو الواقع الذي يشتمل على الوقائع التي تقاربها .. وصولا ً إلى / رؤيا / الشاعرة فيها ..
ففاطمة شاعرة ، قبل أن تكون روائية .. من هنا جاءت هذه الرومانسية العالية ، التي تضبّب التفاصيل .. كما لو كان الضباب ضوءا ً.. وليس حاجبا ً ..
أما حالات الإظلام ، التي تخللت النص .. فهي لم تكن إلا لكي تشير إلى المسكوت عنه .. في رواية ، تومض التفاصيل فيها ، من خلال ذلك .. بحيث استطاعت فاطمة أن تجعل هذا الإظلام عاملا ً من عوامل الإيماء للمسكوت عنه .. والإيحاء به ..
وعلى الرغم من كل ذلك ، فإن الكاتبة بدت أيضا ً ، ومن خلال النص ، مهمومة بقضية الكتابة ، من حيث هي قضية شخصية ، تتيح لها أن تكون خارج الهامش .. حيث هي .. وحيث منتهى .. وحيث زينب ..
فمنتهى المرأة التي ماتت في الهامش .. تحاول زينب أن تعوّضها خارج الهامش .. فيما يشبه الصدام مع كل الكوابح والمعوقات .
أخيرا ً .. لا بد من القول ، بأن فاطمة صالح .. التي امتلكت لغة الشاعرة – الكاتبة .. قد استطاعت أن تطوّع هذه اللغة لغرض السرد ، والتصوير ..
والحوار، الذي قرأته مخطوطا ً بالعامية الدارجة ، حيث لاحظت أنها – ومن خلال هذا الأداء المتفوّق الاقتباس –
أرادت أن لا تقوّل الشخصيات في النص ما لا تستطيع أن تقوله في الواقع ..
ومن هنا أيضا ً ، وإضافة إلى كل ماسبق ، جاء الإدهاش الشعري ، الذي أرى أن له ما بعده في نصوص قادمة …
فاطمة صالح .. اسمحي لي يا سيدتي أن لا أسمّي ماكتبته مقدمة ..
إنه – ببساطة – يحاول أن يقارب الضوء على القول …
دمشق
نيسان / 2006
**************************************************************
حزنكِ .. وكلامٌ أعرفه

خالتي الحبيبة ..
مباركٌ علينا حزنك ِ .. الذي لملمَ أشلاءَ ثورتك .. فصار نورا ً متكاملا ً .. وإبداعا ً يلثم حرية منشودة ..
مباركٌ علينا ، أولى مواسم الخير في مزارع روحك النقية ..
إنجازك ِ وسام أتقلده بفخر ..
وسعيك ِ خلف منابع الريح البعيدة .. وإيمانك ِ الطاهر بإنسانيتك .. بقدراتك ..
كلها أمور أعتز بها ..
كنت ِ ، ومازلت ِ مدرستي .. وملاذا ً من ملاذات روحي .. وركني الخاص الدافئ .. الذي لطالما غفوتُ به .. كما أنا .. بحزني .. وفرحي .. ونواقصي .. وثغراتي .. دون حساب ..
فخورٌ بك ِ يا غالية ..
فخورٌ بثباتك ِ .. بكل ما أودعته يدك ِ الطاهرة في أكواني ..
كلامٌ أعرف أنك ِ تعرفينه .. لكنني أقوله .. لأن زماننا الأحمق ، حرمنا حتى كلام الأحبة ، الجميل ، البسيط .. الذي طالما أذابَ الهمّ .. أو حتى هدّ أه .. حين يتقاسمه أهل المحبة ..
فخورٌ بك ِ من جديد ..
بمكانك ِ الذي تستحقين ..
بروايتك ِ الأولى ..
بالمقدمة التي كتبها لك ِ الأستاذ ..
بالعنوان ( صلاة ٌ .. لغيومك ِ القادمة ) ..
بالأبطال .. بالصور .. بالإحساس الذي يعزف موسيقا عميقة التأثير ، كلما قلبنا صفحات الرواية ..

فادي ..
الخميس 6 / 4 / 2006
**************************************************************
الإهداء

إلى مَن يخشى عليّ من الشمس ..
وأخشى عليه من الرياح ..
إلى زوجي الحبيب / اسماعيل اسماعيل /
مع التقدير والعرفان ..
فاطمة ..
***************************************************
وإليك ِ .. أيتها الريحانة التي تستريح في ظلالها آلاف الأجنحة ..
أمي ..
ماريا إيلينا صالح
*************
وأنت َ.. يامن كنتَ تبلل جناحيك بالنور .. وترفرف فوق أسطحة التراب ..
لماذا طويتَ تلك الأجنحة ..؟!
أيها النورانيّ العنيد ..
أبي ..
صالح سليم صالح
*************
وتلك َ النخلة العصية ..
الأم .. سهيلة منصور ..
*************
وذلك الذي يصرّ على أن يزرع الأحلام في الصحارى ..
ويحرسها ..
واثقا ً من خصوبة دماء أبيه ..
الأستاذ .. خالد أبو خالد
*************
فاطمة ..
المريقب / نيسان / 2006م
********************************************************************
عندما أصلّي صباحا ً ..
أعلنُ انتمائي .. للحق ..
للخير ..
للفضيلة ..
قارئي العزيز :
” مادمتَ محترما ً حقي .. فأنت َ أخي ..”
******************************************************************
بسم الله الرحمن الرحيم

– قتلوها يا زينب .. قتلوها ..
– ماذا تقول ..؟!!!
– آه ..!! يا زينب ..!!
– أرجوك يا محمود .. لا تنفعل هكذا .. أجبني بهدوء وبسرعة ..
– ماذا جرى ..؟! ماذا قالت لك َ مريم ..؟!
– غير معقول .. لم أعد قادرا ً على التحمل .. ياناس حرام .. والله حرام ..
– ماهو هذا الحرام ..؟! قل لي .. لا تجعلني أفقد أعصابي أيضا ً .. ماذا جرى ل ( منتهى ) ..؟!
ضرب المكتب بقبضته .. رمى نفسه فوق الكرسي .. ناولته كأس ماء .. اتصلت ببيت أخي لأخبره أن محمود عندي في المحل .. لم أجد أخي ..
وضعتُ كرسيا ً مقابل الباب .. جلستُ – مُسندة ً رأسي بيدي التي اتكأتْ على المكتب – أرقب انفعالاته .. محاولة ً أن أمتصّ منها – بهدوئي – ما أستطيع ..
تركتُ له حرية التعبير عن حالته مثلما يريحه ، وكيفما يرغب ..
– الأحمق ، تزوّج عليها ..
نظرتُ – مُستغربة ً- في وجهه .. حوّلتُ نظري نحو جهاز الهاتف الذي فوق المكتب .. أصلحتُ وضع السماعة ..
– وهل هي سلبية إلى هذه الدرجة ..؟! أين لسانها ..؟!
– من أين لها لسان عارف وحر ، ليتكلم ..؟! لا تظلميها أنت ِ أيضا ً ..!!
– أنا أظلم ، يا محمود ..؟!
(  رحمك ِ الله ، يا أم حسن .. تجاوزت ِ الثمانين قهرا ً ، وختمت ِ رحلتك ِ المنهكة ، بعدّة أعوام ٍ ، آثرت ِ خلالها أن تفقدي كل ما يذكرك ِ بماضيك ِ .. لم تكوني تدركين ما تفعلين .. عوّضت ِ عن سنيّ الأسر والشقاء ، بحرية ٍ لا إرادية ، بالغة التمرّد ..
كنت ِ تشمّرين ، وتقضين حاجتك ِ ، في أي مكان ، أو زمان تشعرين فيه بالحاجة إلى ذلك .. وكأن لا شعورك ِ آثرَ التمرّد على قوانين المجتمع القاهرة ، بشكل عنيف ، عنف َ القمع الذي كنت ِ تتعرّضين له ، وحرمك ِ متعة الحياة .. حتى إنك ِ- مرة ً – فعلت ِ ذلك أمام دار المختار ..
أذكر أنك ِ لم تكوني – في سنيّ ( خرَفك ِ ) أو تمرّدك ِ ، تفعلين فعلا ً عقلانيا ً ، ولا حتى تتكلمين جملة ً مترابطة ، إلا بيت شعر ، لا أعرف قائله حتى الآن – :
(  مالي لسانٌ ، كي أقول ظلمتني      ألله يعلم أنني مظلوم ُ .. )
وتردفين أمواجا ً من الشهقات الموجِعة ، الجارحة .. تطلقينها في الأجواء .. تحرّرينها من الكبت ِ العميق ، الذي ضاقت به روحُك ِ الشقية .. فانفجرتْ ، بعد أكثر من ثمانين عاما ً ، متمرّدة ً على كل قانون ..
كانت دموعك ِ المرافقة لإنشادك ِ هذا البيت ، تُبكي ، حتى صخور قريتك ِ البائسة ..
لماذا تذكرتك ِ الآن ، يا أم حسن ..؟! هل رأيتُ في منتهى امتدادا ً لك ِ ..؟!!
آه ٍ .. من الظلم ..!!! )
– أين سرَحْت ِ ..؟! هل الموضوع تافه إلى هذا الحد ، كي تشردي ..؟!
– أبدا ً .. أبدا ً .. أنا آسفة .. لم أشرد .. إنما أبحرتُ إلى أعماق المشكلة ..
************
كنا نستيقظ ، أحيانا ً، على صراخ أم حسن المكبوت ، الذي تحاول – عبثا ً – أن تخفيه ، كي لا يسمعها أحد تشكو إلى أبي ، قسوة َ ، وظلم َ زوجها ، وأبنائها الثمانية :
( يا إبني ، يا سليمان .. ” خراهم تحت أظافري ” .. ربّيتهم بتعبي ، وعرق جبيني .. تذللتُ للناس ، كي أعيّشهم ، وأعلمهم ، ولا أجعلهم يحتاجون إلا لوجهه الكريم ..
تحمّلتُ سُكرَ أبيهم ، وكسله ، وجلوسه بلا عمل .. كنت أبحث عنه في الليالي ، بعد أن يناموا .. في المكان الذي أظن أنه نائم فيه .. عند الناس .. أو في الطريق .. أو بين ( البلان ) .. كنتُ أحمله .. ” وياما ..!!ياما ..” تقيّأ على كتفي ..!! قبل أن أوصله إلى البيت ..
وكل هذا، من أجل أن أخفف من الذل الذي نعيش فيه .. وكي أجنبهم تعليقات الناس ، أنهم أبناء سكّير ..
والآن ..!! الآن ، يا إبني ، ياسليمان .. حسن .. والله ، حسن يضربني .. آه .. ليتني متّ .. ليتك ِ يا أم حسن متّ ، وارتحت ِ من زمان ..!! )
وأبي يحاول أن يهدّئ من روعها ، ويواسيها ، ويقترح عليها الحلول المناسبة ..
مرة ً.. أفقتُ على صوت بكائها ، بعد منتصف الليل .. وسمعتُ صوتَ أبي ، وصوت ابنها حسن .. استيقظتُ خائفة :
– ما هذه الأصوات ، يا أمي ..؟! من الذي يبكي ..؟!
– نامي .. نامي يا زينب .. كالعادة يا ابنتي .. أم حسن ، وابنها .. أو ، هي وزوجها عند أبيك ِ .. ألله يساعد الناس .. حتى يساعدنا ..!!
************
كل أهل القرية كانوا يحبون أم حسن .. كلهم يحترمونها .. كبارا ً ، وصغارا ً .. نساء ً ، ورجالا ً..
كيف لا .. ؟ وهي المرأة الكادحة ، الشريفة ، المتفانية في خدمة عائلتها ، والأمينة على نفسها ، وعلى أبنائها .. وحتى على زوجها السكّير ( أبو حسن ) ..
فرضت احترامها على أبناء القرية ، مع أنها ليست منها .. قبلتْ بسالم ، لأنها مقطوعة من شجرة ..
كان – بجسده النحيل – يحفر بئرا ً في قريتهم .. بقي مع بعض الشباب ، أياما ً عديدة ، ينامون في بيت أحدهم ، من قرى مختلفة .. اجتمعوا ليحفروا بئرا ً عميقة لأحد أبناء قريتها ..
كان فقيرا ً ، رث الثياب ، يدخن كثيرا ً ، دخانا ً عربيا ً ، ويسعل .. لكنه عامل نشيط ، ومتفان ٍ في عمله ..
عرّفه رفاقه إلى خدّوج .. الشابة اليتيمة ، المظلومة من قِبَل زوجة أخيها :
– تليقان ببعض ، يا سالم ..
– خدّوج ، بنت شريفة ، وشغّيلة .. ويتيمة .. مثلك .. وأنت بحاجة إلى امرأة كهذه ..
– وأنت ِ ، ياخدّوج .. ما رأيك ِ بسالم ..؟!
– شاب فقير ، شريف ، يأكل من عرق جبينه ..؟!
( وضحك أحدهم ) :
– صحيح أنه نحيل ، وشاحب .. لكنك ِ طبّاخة ماهرة .. وإن تزوجتما ، اكتسى لحما ً ، وقوي عظما ً ..
ماذا قلت ِ ، يا خدّوج ..؟!
وتزوجا .. زفتها قريتها ، إلى قريته ( السور الأخضر ) كأحسن عروس .. ألبسوها الجَلوة ( الطرحة ) .. أركبوها على الفرس ، التي قادها شاب وسيم .. زوّروها مزار القرية ، وكل المزارات ، في القرى التي مرّ بها الموكب..وكان ( العقيد ) الذي يحمل البيرق ( أبو مسعود )..( بشرواله ) الأسود الجديد ، و(منتيانه ) الذي يرتديه فوق القميص ، ولفحته البيضاء ، ذات الكرات الصغيرة على أطرافها ، و ( بْريمه ) الأسود ، وحذائه ( الغوما ) الذي شدّه عند الشدّاد العام الماضي ، ولا يلبسه إلا في المناسبات ..
كانت نساء القرى التي يمرّ فيها ( العرّاسة ) ، يستقبلن الموكب بالبخور ، والزهور .. وكانت الزغاريد تملأ الطرقات الوعرة التي عبَرتها الفرس ( بشناشيلها ) الملوّنة ، وهي تحمل العروس ، وخلفها العشرات من أبناء وبنات القرية والقرى المجاورة .. ودَقّ الطبل ، والزمر ، والغناء .. غناء الصبايا :
( تدحرجي .. يا حنطة صليبة          بنت البيت ، مي ريحة غريبة
لا إمّا ، ولا بَيّا العطوها               غير الله ، كتّاب النصيبة  )
وعندما هَمّتْ إحداهن بأغنية :
( عالماشْ ، عيني عالماش              طلع الصندوق ، والفراش
ألله يديمكْ يا بَيّا                          عطانا العروس بلاش )
نهَرتها إحداهن ، ووضعتْ يدها على فمها :
– خدّوج ، ليس لها أحد .. لا أم .. ولا أب .. لا تجعليها تبكي ..!!
فأبْدَلتها ب :
( شيّلْ ضَعنّا .. شَيّلْ            تعَلاّ الأسمر ، وتخيّلْ )
وأردفت البنات ، والنساء ، عندما وصلتْ ، واستقبلها أهالي قريتها الجديدة ، في مدخل القرية ، بالهلاهيل ، والتراحيب ، والزغاريد ، والأويها :
( يا عاروس ، فوتي عالبيت ، فوتي       ولاد عمك ، نصبوا لك تخوتي
ولاد عمك ، ستة ، سبعة تمانة            وكلّيتن ، حمّالين جفوتي )
أجْلسوها على الصيوان ، وأكملوا الزفة .. قبل أن ينقلوها إلى بيت عريسها سالم ، الذي لم يصدّق نفسه ..
***********
توفي سالم ( أبو حسن ) قبلها بعدة سنوات ، بالسل الرئوي .. لم يستفد كثيرا ً من زياراته المتكررة إلى مستشفى ( القدموس ) .. الذي كان الوحيد في تلك المنطقة ، الذي تتلألأ فيه – عن بُعد – الأنوار الكهربائية .. والذي كان منتجعا ً ومشفى لمرضى السل ، فقط ..
وقد آثرتْ أن تبقى بعد وفاته ، في بيتها الطينيّ المتداعي ، لتعيش فيه بقية أيامها ، وتموت فيه بشرف – كما كانت تقول– كلما حاول ابنها حسن، أو أبناؤها الآخرون، أن يأخذوها إلى بيتهم الإسمنتيّ (النضيف)..
بيت حسن ، كان مؤلفا ً من غرفتين ، وصالون .. كان لها الدور الأكبر في بنائه .. لكنها رفضت أن تعيش إلا فيما تبقى من بيتها الطينيّ المتهالك .. حيث بدأتْ تخرف تدريجيا ً – كما يقولون – وتتكلم بمفردها .. تكلم الدجاجات ، تحادثها ، كأنها بشر مثلها .. تعتني ( بالقرقة ) ، وتقبّل الصيصان .. تلحقها قطتها ، أينما ذهبت .. تربّي نعجة ، وخرافها .. ترعاها في الحقول القريبة ، والبعيدة .. تحشّ لها .. تطعمها العلف ..
تعجن عشرة أرغفة ، أو أكثر قليلا ً.. تخبزها على صاج ، تضعه فوق بقايا التنور المهدّم .. مؤونة ، تكفيها أسبوعا ً ، على الأقلّ .. لا يزورها أحد ٌ إلا نادرا ً .. لأن بيتها يخيفهم .. ووضعها ، يُشعِرهم بالكآبة .. حتى أبناء حسن ، أحفادها ، نادرا ً ما كانت أمهم ترضى أن ترسلهم ليتفقّدوها .. بحجّة ، أنها تخاف أن ينهار حائط البيت المتداعي فوق رؤوسهم الصغيرة.. حتى صار الصغار، يخافون بيتَ جدتهم .. وجدتهم أيضا ً..
وأكثر ما آلمها ، أنها – مرة ً – كانت تتبع خرافها إلى المرعى .. حيث كان طريقها قريبا ً من بيت ابنها حسن .. رأت ابنه الأكبر ، حفيدها .. اقتربتْ منه – باكية ً ، ضاحكة – .. ووضعتْ كفها الخشنة ، فوق رأسه الصغير .. واحتوتْ ذقنه بين السّبابة والإبهام .. وانحنتْ لتقبّله .. لكن الطفل ، فرّ هاربا ً ، صارخا ً ، باكيا ً ، شاتما ً تلك العجوز المخيفة ..
بعدها بعدة أيام ، شوهِدت أم حسن ، لأول مرة ، رائحة ً ، غادية .. بين البيوت ، وفي المراعي ، وفوق الأسطحة ، وعند العين ، وفي كل مكان .. لكن ، بمفردها .. أو ، ربما كان معها عالمٌ من المخلوقات ، لا يراهم إلا هي .. تكلمهم ، وتردّ عليهم .. تحاورهم .. تستمع لهم ، لهمومهم .. وتناقشهم بها .. ويستمعون إلى مشاكلها ، وهمومها .. تخاطبهم ، وتبكي .. وإن لم تفهم عليهم ، تستفسر :
– آه ..؟! شو قلت ..؟!
وتحكي قصصا ً ، وأحاديث ، ومآسي .. لم يسمع بها أحد من أهل القرية .. ولا يعرف أحدٌ إن كانت حقيقة ، أم وهمية .. اخترعها خيال أم حسن ، المريض .. مع أن البعض كان يجزم أن الأحداث التي كانت تسردها ، كلها واقعة .. وأن روحها عجزت عن ضمّ كل هذه الآلام .. فتصنعت الجنون ، لتفشي كل أسرارها ، وترمي عنها أعباء ، ناءت تحتها أكثر من ثمانين عاما ً ..
مسكينة ، يا أم حسن .. ألله يرحمك .. وويلٌ للذين ظلموك ِ .. إن لم تسامحهم روحُك ِ ، التي ارتاحت من سمومهم .. واستعادتْ نقاءها ..
******************************************************************
اجتمعت القرية ، لاستقبال المغترب ( ابراهيم ) .. إبن البلد ، الذي عاد إلى الوطن ، ليستقرّ في قريته ( عين براعم ) .. رافضا ً أن يتزوج في البرازيل .. لأنه – كما ادعى على الأقلّ – لا يريد أن يتزوج إلا بابنة عرب ..
استقبلته القرية بالزغاريد ، والبخور .. أقاموا له حفلة عامرة .. أجلسوه على المصطبة ، في ساحة القرية .. عقدوا حلقات الدبكة .. أحضروا عازف ( المجوز ) البارع .. ودقاق الطبل ، الذي لا يُضاهى في المنطقة كلها .. دبكوا ، وغنوا ، حتى الصباح .. حيث تعالى تصفيقهم الإيقاعيّ مع كل أغنية ٍ محلّية ..
غنتْ لهم ( حسنا ) المواويل ، والأغاني ، الحزينة ، والمُفرحة .. وكانت بارعة في ( الدلعونة ) ، و ( بَيْ بَيّ الغربة .. الوطن حنونا ) .. و ( عالمولا ، المولا ، المولا …. وعيني يا موليّي ) .. ورندَحَتْ :
( –  ضيعتنا ، ويا مَحْلى هَواكي … بحَرّ الشوبْ ، بينسّمْ هواكي
الشيخ صالح علي ، بيسَيفو حَماكي …..إلخ )
وكرّرت الموّال ، تحت رغبة الجمهور المتمايل ، النشوان ..
تعانقتْ كشاكش فساتين النساء ، كما تعانقتْ طبعات الزهور الملوّنة ، فوق قماشها ..
تنوّع منظر الرجال ، بين قميص وبنطال ، وقميص و( منتيان ) وسروال أبيض ، أو أسود ، وعقال ولفحة ..
مناديل النساء ، وشرائط شعر الصبايا الحديثات ..
فرح الجميع بتلك الحفلة ، التي كانت تشبه زفة العروس ..
غنى ( أبو اسماعيل ) .. وأبدَعَ في ( الميجنا ) و ( العتابا ) و ( أجمل دني ، وأحلى بلاد ، بلادنا ) .. فأسكرَ الجميع ..
بكى – يومها – ابراهيم .. بكى من كل قلبه ، دموعا ً، كطفل عاد إلى حضن أمه بعد غياب ..
كانت دموع فرح ، وعرفان ، لقريته التي كرّمته إلى هذا الحدّ ، الذي لم يكن يتوقعه ..
زيّنوا صدره ، وعنقه ، بحبال من الحبق ، والريحان ، وشقائق النعمان ..
رشته ( سعيدة ) بعطرها الذي ابتاعته من ( الشيني ) ، حين عبَر القرية ، ذات يوم .. وكانت قد اشترتْ منه أيضا ً ، الأساور ، والعقود ، وخيوط التطريز الملونة ، وصباغ القش ..
( أحمد ) صهر أبو محمد .. زوج ابنته الكبرى ( ليلى ) .. رشّ ( ابراهيم ) أيضا ً بعطر ( رجّالي ) .. كان قد أحضره معه من لبنان ..
سحَبَتْ ( منتهى ) زجاجة العطر ، من صهرها ( أحمد ) كي ترشّ منها على نفسها ، وعلى أصدقائها ، وصديقاتها .. منعتها شقيقتها ( ليلى ) مؤنبة ً :
– استحي ، يا ( منتهى ) .. هذا للرجال ..
– وما الفرق ..؟!
وهربَتْ من نظرات أختها الساخطة ..
اختبأتْ ، مع سعاد ، وفهيمة ، وأمل ، وفاطمة ، ومحمود ، ويوسف ” أشقياء القرية ” .. اختفوا بين الدّبّيكة .. يتراكضون ، ويتضاحكون ..
تقف منتهى خلف الصبايا المتحلّقات مع الشباب في المرسح .. تغافل الجميع ، وتقرص بعضهنّ في زنودهنّ المتشابكات .. ثم تختفي .. لتعرقل انتظام الدبكة ..
تبتعد .. ويبتعد معها الأشقياء ، والشقيّات .. يخفون ( صهصناتهم ) بأصوات الحَفل المتصاعدة ..
ابن أختها ، كان يغفو في حضن أمه .. يمسكُ – بيد ٍ رخوة – بعض أغصان الورد الناعمة .. ربما أعطته إياها ( ليلى ) ليداعبها ، ويغفو ..
في غفلة ٍ من أختها ، اختطفتْ ( منتهى ) الورد من يد الصغير ، ورمته – بدَورها – على المُحتفى به .. وأسرعتْ راكضة ً ، مختفية ً مع أترابها ، بين الناس ، وفي الأزقّة .. حيث استقرّوا .. واستطاع أشقياؤهم أن يلتقطوا أنفاسهم ، ليعودوا إلى شقاوة ٍ أخرى ..
كانت هذه المناسبة ، من المناسبات القليلة التي تحدث في القرية ، وتتيح للجميع موسما ً من الفرح ..
نام الأشقياء – ليلتها – بسرعة ، مُنهَكيّ القوى .. إذ ، نادرا ً ما كانت تتوفر لهم الفرص ليتمتعوا بكامل حرّيتهم في اللعب ، دون خوف من عقاب ..
دخل أبو محمد غرفة زوجه ، وأطفاله .. كانت أم محمد تتفقد الصغار .. تزيح الأغطية عن وجوههم ، وبعض صدورهم :
– ملائكة .. يرقدون ، كالملائكة ..
أنفاسهم تتتابعُ بانتظام ..
همَسَتْ – وهي تزيح الغطاء عن منتهى – :
– هل حرارتك ِ مرتفعة ، يا بنت ..؟!
تلمّسَتْ براحتها جبين منتهى ووجنتيها المُصطبغتين بالزهري الغامق .. تحسّسَتْ عنقها ..
سمعها أبو محمد .. أردَفَ :
– هل هي ساخنة ..؟!
التفتتْ نحوه واقفة ً:
– لا أظنّ .. من كثرة الشقاوة ..
************
–  أين ساعة المنبّه ..؟!
ناولته زوجته ( أم علي ) إياها .. وكانت قد استعارتها منه أمس ، لتستيقظ على موعد دواء الصغير ..
– إن لم ترنّ الساعة الخامسة.. لا تنسي ، أيقظيني.. وأيقظي أختي ( سكينة ) قبل الفجر.. سنبدأ الحصاد..
– غدا ً ..؟!
– غدا ً .. هل لديك ِ مانع ..؟!
– لا .. إنما نسأل فقط ..
طوال ذلك الليل ، وأم علي لا تكاد تغفو قليلا ً، على أمل أن الصغير هدأ سعاله .. حتى تستيقظ على سعال ، ونحنحات أبي علي ، في الغرفة الملاصقة لغرفتها ، من خلف الجدار المتصدّع قليلا ً، والذي لا يكاد زوجها يرمّمه ، حتى يتداعى مرة ً أخرى .. حتى ظنّ أنه ربما يكون قد تخلخلَ نتيجة الهزة الأرضية التي حدثت العام الماضي .. وصوت أنين حماتها أم سليمان ، عبر النافذة الخشبية التي تفصل غرفتها عن غرفة كنتها وأطفالها ، يخرق سمعها ..
تنهض أم علي .. تخرج من باب غرفتها .. تفتح باب غرفة حماتها :
– زوجة عمي .. ألله يمسّيك ِ بالخير ..
( بصوت ٍ ضعيف ) : – ألله يسعد مساك ِ .. ( وتتابع الأنين ) ..
– هل تريدين شيئا ً ، يا امرأة عمي ..؟! هل ( أدقّك ) ..؟! أو ، هل أعمل لك ِ كأسا ً من الزوفا ..؟!
– ألله ، لا يحرمني منكم ياكنة .. عودي إلى صغارك ِ، يا ابنتي .. لا يؤلمني شيء ..
– أنينك ِ واصل إلى غرفتي .. ولا يؤلمك ِ شيء ..؟! هل أعمل لكِ ( مَرْمودة ) ..؟! أو ، هل أوقظ زينب ( لتدوسك ) ..؟!
– لا .. لا .. ألله يخلّي أولادك .. ويوفقك ، يا كنة .. لا أشكو إلا من ( الختيرة ) .. يلعن الختيار ، وعيشته .. لا أنام .. ولا أدَع أحدا ً ينام ..
– ألله يسامحك ، يا امرأة عمي .. أنت ِ مثل أمي .. ليست مِنّة ..
– ألله يرحم أمك ، وأبيك .. إذا ً ، غطّيني قليلا ً .. لا أستطيع أن أقلب ظهري ..
– لكن الدنيا حَرّ ..
– حَرّ ..؟! والله ، أنا بردانة ..
غطّتها برفق .. وعادت – بهدوء – علّها تسرق إغفاءة ..
أوّل أمس ، كانت ( تمرط ) الشعير .. استعصى عليها ( قلب ) عميق .. اقتلعته .. لكن بعد أن لمَعَ ظهرها .. ولم تستطع العودة إلى البيت إلا بصعوبة ٍ بالغة .. حيث ساعدتها ابنتها ( سكينة ) على الصعود على ظهر الحمارة .. وأمسكتها الرّسَن .. وساعدها ابنها ( صالح ) بالنزول أمام البيت ، والاستلقاء في سريرها .. دون أن تستطيع غسل يديها ، ووجهها ، من التراب ، والغبار ..
عملتْ لها أم علي كاسات حجامة .. حتى استطاعت أن تغفو ، لكن ، دون لقمة ..
غفتْ .. وهي تردّد :
– ألله لا يقصّر مخلوق .. ألله لا يحوجكم إلا لوجهه الكريم ..
************
لم تكدْ ساعة ُ المنبه تدقّ الخامسة ، في غرفة أبي علي ، حتى خمَد صوتها ..
استيقظ أبو علي فورا ً .. أو ، ربما لم يكن نائما ً ..
كانت سكينة قد استيقظت عندما كانت زوجة أخيها تتكلم مع أمها .. قامتْ ، وعلّفت الدواب .. لأنها تعرف أن أمها غير قادرة على ذلك هذه الليلة ، وربما لأيام قادمة ..
حملت المنجل ، مع أخيها سليمان .. وضع كل منهما ( لفحة ) قطنية بيضاء على رأسه .. لفّها جيدا ً .. وسارا ، نحو ( جورة شرّوف ) ..
*****************************************************************
رحمك ِ الله ، يا جدتي حليمة ..
عندما أخبرتني أمي ، ذلك الصباح الحزين ، أنك مريضة .. وأنّ الطبيب يقولُ أنّ أيامك معدودة – حسب علمه – ..
أسرعتُ إلى بيت أهلي .. دخلتُ – والغصّة في حَلقي – .. وكل حنان الدنيا يغمر كياني ..
هل – فعلا ً – سترحلين ..؟!
وهل ستستطيع أمي أن تشرب المتّة ، دون أن تشاركيها نفس الكأس .. ونفس المصّاصة ..؟!
جدّتي .. لا ترحلي ..
لا تأخذي معك ِ ذلك الزمان الدافئ ، الذي كان يجمعنا ..
لا تأخذي ( هَيكالو .. هَيْكالو ..) و ( هلْ لله .. هلْ لله .. نام ، يا عيني بحفظ الله ..)
حَكتْ لي أمي – مرّة ً – أنك ِ كنت ِ تحملينني .. وأنا لم أتجاوز الأشهر الأولى من عمري .. وأنك ِ تعَثّرْت ِ ، وأنت ِ تنزلين حافة ً ليستْ مرتفعة .. وعندما اختلّ توازنك ِ .. حَضَنتِني .. وتشبّث ساعداك ِ الملتفان بجسدي ورأسي .. وعندما أنهَضوك ِ – بعد عِدّة ( شقلبات ) .. أخرَجوني من بين يديك ِ ، سالمة ً ، غانمة .. لكن ذراعَك ِ كانت قد كسرتْ .. وجسدك ِ كان قد امتلأ بالكدمات .. وأول جملة نطقت ِ بها :
– طمّنوني عن الصغيرة ..
مَن يقدر الآن ، أن يطمئنني عنك ِ ياجدتي الغالية ..؟!!
لاموني كثيرا ً ، لأنني رفعتُ صوتي بالبكاء ، عندما حملوا نعشك ِ، وأخرَجوك ِ من البيت الذي كنت ِ تملئينه دفئا ً ، وحنانا ً ، وأمومة ..
– عَجوز .. وأكلتْ عمرها ..
– شباب يموتون .. ولا أحد يبكيهم هكذا ..
واسَتني أمي – والدموعُ تملأ عينيها – :
– ألله يرحمها .. ارتاحَتْ – لاتبك ِ يا زينب .. تعرفين كم عانتْ ..
احتضنني أخي ( محسن ) وهو يشرق بدموعه :
– علينا ألا نبكي كثيرا ً .. جدّتي يحبّها الله ، بالتأكيد .. لأنه استجابَ لدعائها ، أن تموتَ بعزّنا .. وألاّ تُذَلّ إلاّ لوجهه الكريم ..
كم كان وجهُك ِ مُشرقا ً ، عندما انحَنيتُ لأقبّله ..!!
لكن ّ تلك اليد الطاهرة ، التي لثمتها ، سقطتْ من يدي .. تلك التي كانت أصلبَ من الصخر ، وأرقّ من النسيم .. كانت مستسلمة ً، رخوة ..لا تتأثر بطعم قبلات الحبّ والعرفان التي ألصقتها بها ، لتصطحبيها معك ِ ، في رحلتك ِ الأبديّة ..
و .. رَحَلت ِ ..
لم نكن ندرك أن أخي محسن ، الذي ظلّ أكثر من سبعة صباحات يقرأ على قبرك ِ آيات ٍ من الذكر الحكيم – كما كنت ِ توصينه دائما ً –  سيتأبّطُ عمرَه الطريّ .. ويلحق بك ِ .. ربما اشتاق لأحضانك ِ أكثر من الجميع ..
أتعرفين ياجدتي الغالية ، ماالذي خفّف من مُصابنا بحفيدك ِ الصغير محسن ..؟!
أنه – أيضا ً – رحَلَ ، مُحَققا ً أمنيته التي كان يدعو الله أن يحققها له :
( ألاّ يأكلَ قرشا ً حراما ً .. وألاّ يموت َ غدرا ً ..)
تلك كانت أمنيته الوحيدة التي تمناها لنفسه ..
زعل َ الكثيرون لأن الدولة لم تصنّفه في خانة الشهداء ..
هو الضابط البطل ، الذي كان يتقدّم جنوده ، عندما يدعوهم الواجب .. ويستبسل أكثر من الجميع ..
كان يهزأ من الموت .. ويسترخصه ، في سبيل الحق ، والقيَم العليا .. وكان يقول لرفاقه :
– أمانة .. إذا متّ ُ .. ضعوا ” فيروز ” على قبري .. وظلّوا ادبكوا .. حتى تشبعوا ..
لكنّ أحدا ً منهم ، لم يَف ِ بالأمانة ..
قلنا جميعا ً :
– الحمد لله ، أنهم ما صَنفوه شهيدا ً .. لأنه – فعلا ً – لم يمتْ شهيدا ً.. ماتَ بحادث سيارة ..
– لكنه كان ذاهبا ً إلى عمله ..!!
– حتى ولو ..
رحمك َ الله ، أيها الغالي .. يا أخي .. وصديقي .. يامَن صَعُبَ عليك َ احتمالُ هموم الجميع .. أختك َ.. وأهلك َ .. ووطنك َ المُستباح .. فآثرت َ الرحيل ..
فإلى جنات الخلد يا غالي ..
***************************************************************
استيقظتُ – ذات هروب – وكنتُ قد سقطتُ على الرصيف ، قرب عيادة الطبيب .. حين تركني أخي علي ، صباح أحد الأيام السود .. وذهب ليُحْضر لي الدواء ..
كنت نازلة معه إلى طرطوس ، دون إفطار .. لأنني سأجري تحليلا ً في المخبر ، قبل زيارة الطبيب ..
انخفض ضغطي – ربما – .. شعرتُ بالدوار.. صرتُ أرى المارّة ، وأشجار الشارع ، نصفين منفصلين ، يتأرجحان ..ثم شعرتُ بغشاوة ، كأن ستارة ً قد أُسدلتْ على عينيّ .. واستيقظتُ على صوت رجل ٍ حنون :
– اطلبوا الإسعاف .. اطلبوا الإسعاف ..
فتحتُ عينيّ ..
أنا بين يديّ شابّ لا أعرفه .. خِفتُ .. حاولتُ النهوض ، لم أستطع ..
لاحظَ الخوفَ والدهشة َ في عينيّ :
– لا تخافي .. بسيطة .. الحمد لله على السلامة ..
وقبل أن أستوعِبَ الموقف ، كان أخي قد وصل مُرتعبا ً :
– أختي .. مابك ِ ..؟!
كان أحد المارّة ، قد أوقفَ تاكسي ..
ولا يزال محمود ينفعل عندما نذكر تلك الحادثة :
– تصوّري ..!! البنت تسقط أمامهم .. وكأن شيئا ً لم يحدث .. أنا أصرخ : إسعاف .. ولا أحد يلتفتْ .. كأنها ليستْ مسؤوليّة أحد منهم .. والله .. لولا ذلك الرجل .. كنتُ قلتُ : السلام عليكم .. بلدنا خِليتْ ، وخربتْ ..
لم يتركنا ، إلا عندما ساعَد أخي ، وأجلسوني في السيارة .. وانطلقَ ، مُتابعا ً رياضة الهرولة ، بخفّه الأبيض ، وبجامته الرياضية ..
انطلقت السيارة ، ولم أرفع نظري عنه ، إلا عندما انعطفَ نحو شارع آخر ..
*************
كان أبو محمد سعيدا ً بعودة رفيق صِباه ، من البرازيل .. حيث ترك المدرسة قبله ، وسافر مع المسافرين ، من مرفأ بيروت ، إلى ( الرّسيف ) .. في رحلة بحرية ، استغرقتْ حوالي عشرين يوما ً ..
كانت رسائله قليلة .. لكنه لم ينقطع عن متابعة أخبار قريته ، من خلال أحاديث المغتربين الجدد ، الذين يتوافدون – بين فترة وأخرى – إلى مختلف دول أمريكا اللاتينية .. ويحملون رسائل الأهل ، والأصحاب إلى ذويهم ..
مرّة ً .. قطعَ أبو محمد عِدّة قرى ، سيرا ً على الأقدام .. ليجد شخصا ً يعرف اللغة الإسبانية .. ليكتب له رسالة إلى ابن خاله الذي انقطعت أخباره ، من أكثر من عام .. وكانت آخر أخباره لا تسرّ أبدا ً .. حيث قيل أنه قد جُرح أثناء قطافه الذرة الصفراء ، في إحدى مقاطعات الأرجنتين .. وأن الحمّى ألزمته الفراش .. وأن أصحابه يشترون له الدواء من حسابهم .. ولم يسمعوا عنه – بعدها – أي خبر .. مما كان يزيد من أعباء العائلة النفسية .. خصوصا ً عمته أم كامل ، التي كانت تُبكي كل الرّعاة ، والحصّادين .. حين كانت تُطلق العِنان لصوتها الحنون ، تردّده الحقولُ والجبال : ( يا قلبي ، دَشّر الهدْواس ، وارتاحْ ..) ( كتر البعد ، بيولّد جفا .. آخ .. آخ ..) إلى آخر ما لديها من أغاني حزينة ، تبكي الأحبة .. ولم تهدأ إلا عندما أحضرَ لهم مُغتربٌ آخر ، رسالة مطوّلة منه ، بعد عدّة أشهر من إرسال رسالة ابن عمته كامل .. يطمئنهم أنه بخير .. وأنه تعافى تماما ً، واشتغلَ كثيرا ً من الأعمال ، حتى وفى ديونه .. ثم استقرّ منذ مدة ، مع أحد المغتربين العرب ، بالعمل بالتجارة .. حيث تحسّنتْ حاله ، واستطاع مع زميله ، تأمين عمل لعدد من المغتربين الآخرين .. وأن زوجته ( السورية الأصل ) ، وأبناءهما بخير ..
سألت أم كامل ، المغترب ابراهيم ، عن ابن أخيها .. فضحك َ ، وقال :
– والله ، يا خالتي ، لا أعرف عنه شيئاً .. هو في بلد .. وأنا في بلد ..
– لكن أولاد العرب ، كل عمرهم يسألون عن بعضهم في الغربة .. مهما كانوا بعيدين ..!!
ضحك مرة أخرى .. ولم يُجب ..
صار ابراهيم يتلقى العزائم من أبي محمد ، بشكل شبه يوميّ .. يجتمع مع أهل القرية مساء ً في بيت أبي محمد .. وصارت الجلسات أكثر متعة ، وغنى .. بوجود العم ابراهيم ، الذي كان يُتحفهم بالأخبار الجديدة ، والغريبة .. مما كان يُضفي جوّا ً مختلفا ً على القرية التي صارت أكثر حيوية ً ، بترديدها أخبارا ً منقولة عنه .. أومؤلّفة من قِبَل هواة .. وغالبا ً ماكانت ضيافة أبو محمد – بحضور ابراهيم – تحتوي على لحم الدجاج المشوي ، والمغطّس بالزيت والثوم .. أو على البرغل بحمّص ، الذي اختاره ابراهيم كأول ضيافة يتناولها في بيت رفيق صباه ..
وكانت أم محمد تحضّر الطعام ، ثم ترسله إلى غرفة زوجها ، مع أبنائها ، على أطباق من القشّ .. كانت قد ( دارتها ) مع ابنة عمها ( أمينة ) من سيقان القمح الناعمة ، التي كانوا يشترون لها الصباغ المتعدّد الألوان ، من ( الشيني ) .. وكان الحاضرون من أبناء القرية يتناولون الأطباق من أيدي الصغار ، ويضعونها على ( الطبلية ) الخشبية الدائرية .. أمام الضيف .. الذي كان أكثرهم استمتاعا ً بالطعام الذي افتقده خلال غربته ..
مرّة ً .. كانت أم محمد قد نسيتْ طبق الدجاج المشوي ، بدون حامض .. ربما لأنها غضبتْ من زوجها الذي ذبح الدجاجة البيّاضة ..
نادى أبو محمد :
– هاتوا لنا ليمونة حامضة ..
هرعتْ منتهى ، التي كانت تُمتِعها عملية البحث ضمن التراب الأبيض في الغرفة الغربية ، عن ثمرات الليمون .. مدّتْ يدها في كومة التراب ، فوجدتْ ثمرة ، لكنها عَفِنة .. ربما لأنها لم تُغَطّ جيدا ً بالتراب .. رمَتها جانبا ً ، وتناولتْ أخرى سليمة .. غسلتها ، وناولتها لأبيها ..
– لماذا لم تسلّمي على عمك ابراهيم ..؟!
احمرّ وجهها ، وهي تمدّ نحوه يدها ، التي لم يُرْخِها ابراهيم ، إلا عندما سحَبتها عنوة ً ..
– ما شاء الله ، يا كامل .. صار عندك صبايا ، وشباب ، بغيبتي ..!!
– الحمد لله ..
– ألله يخلّيلك إياهم ..
أنت ِ ( ليلى ) يا عمي ..؟!
– لا .. أنا ( منتهى ) ..
– منتهى ..؟!
– نعم .. منتهى ، يا ابراهيم .. ليلى زوّجناها لابن أبي أحمد .. شابّ آدمي .. وشغّيل .. وعندها وَلدان ..
– بأيّ صَفّ ، يا عمّي ..؟!
– نجحت إلى التاسع ..
– اللهم صلّ على النبي ..!!
لا حَظتْ منتهى ، أنه ينظر إليها نظرات غريبة ، متفحّصة .. لم ترُقها .. فخرجتْ مسرعة ً ..
وعندما تكرّرتْ – في مرات تالية – تعليقات العم ابراهيم ، ونظراته المنفّرة ، وغير المفهومة ، تجاه منتهى .. صارتْ  تتهرّب من الدخول إلى غرفة أبيها .. على الرغم من طلب أمها أن تساعد إخوتها في نقل الطعام إلى الضيوف ..
وفي مرة :
– أللهم صَلّ على النبي.. كل أولادك صاروا شبابا ً، يا أبو محمد.. لكن .. أين منتهى ..؟! لم أعُد أراها ..؟!
– يا أم محمد .. أين منتهى ..؟! قولي لها تكلّمني ..
– يا أمي .. لن أدخل .. لن أدخل .. قولي لأبي إنني لستُ هنا ..
واختبأتْ خلفَ توابيت الحبوب ..
لكن .. بعد عدّة أشهر .. كانت منتهى قد أصبحتْ زوجة ابراهيم ..
************
– ألله يعطيك ِ العافية ..
رفعَتْ رأسها .. استوَتْ فوق الطرّاحة .. و – بصوت ٍ خفيض متلبّك – :
– ألله يعافيك ..
يبتسم ..
– ماذا تقرئين ..؟! ما هذا الكتاب ..؟!
– أقرأ .. أقرأ الجبر .. هذا الكتاب ، كتاب الجبر ..
سقطَ القلم من يدها .. رفعتْ خصلة ً من شعرها عن وجهها ، وضعتها خلف أذنها .. استغربتْ :
– لماذا يكلّمني أبي بهذه اللطافة ..؟! لماذا يضحك في وجهي ..؟!
تسارعت ضربات قلبها .. شحب وجهها .. لم تفهم شيئا ً .. خافت .. اضطربتْ ..
– أين إخوتك ِ ..؟!
– محمد .. محمد ، في الحاكورة .. وسليم .. سليم راح يلعب .. و ..
لم تكن تدرك ، هل كان أبوها – فعلا ً – يسألها تلك الأسئلة ، ليعرف الجواب ..؟! أم أن له غرضٌ آخر ..
مما زاد من خوفها ، واضطرابها .. لم تستطع التركيز على درس الجبر ، كما كانت قبل حضوره ..
– معقول أن يكون أبي قد فقد عقله ..؟! أم .. أم هل سيحدث له شيء ..؟!
هل يمكن أن يموت ..؟!
ازداد اضطرابُها .. خافتْ عليه ، ومنه .. تركت القلم فوق الدفتر، ضمن الكتاب المفتوح .. وقامت ..
هدوء ٌ ، غير معتاد ، في ذلك البيت ، يتخلله حوارٌ ، يبدو أنه جادّ .. بين أبيها وأمها ..
الأب يُملي على الأم .. والأم تستفسر .. وتضيف كلمات ، لم تستطع أذنا منتهى ، أن تلتقطا جملة مفيدة .. بل ، لم تحاول ذلك .. إنما فقط ، حاولتْ أن تناقش في ذاتها مايجري من أشياء بسيطة ، لكنها غير مألوفة ..
شعرتْ بالقلق ، والخوف يزداد داخل نفسها .. اتجهتْ نحو ( الدار) أمام خمّ الدجاج ، الذي كان مسوّرا ً
بحائط يُبْعِدُ عنه عيون الجيران .. كان أفراد الأسرة يقضون فيه حاجاتهم ..
أفرغتْ ما في أمعائها ، ومثانتها ..
ارتاحتْ قليلا ً.. لكنها لم تستطع التخلّص من ذلك الشعور المُقلق .. ما الذي يحدث ..؟!
أبوها يكلّمها بهدوء ، واتزان .. ويبتسم في وجهها .. ثم يذهب إلى الغرفة التالية ، ويتكلم مع أمها بنفس الطريقة ..!! ويعود يتفقد الحظائر ، وكميات الأعلاف .. يتأكّد من إحكام ربطة الحمارة ، ومن نظافة تحت الدواب .. ثم يعود إلى غرفته ، متباطئا ً – متأمّلا ً .. يغسل يديه ووجهه .. يتمتمُ بصلاة ٍ ، لم يكن قد حان موعدها .. يتناول المصحف الشريف من تلك ( الجيّابة ) ذات القماش القطنيّ الأبيض ، الذي طرّزتْ عليه أخته ( أمينة ) كلمة ( الله .. محمد ) باللون الأخضر..وبين الكلمتين ، طرّزتْ زهرة َ قرنفل حمراء.. وعلّقتها فوق رأس أخيها ( كامل ) ليسهل عليه تناول المصحف متى شاء ..
دخل عليه أحد الجيران :
– ألله يعطيك العافية ..
وبنفس الهدوء ، والرّويّة .. ختمَ أبو محمد تلاوته ، وأغلق المصحف الشريف .. ثم قبّله – بخشوع – عدّة مرات ، ورفعه فوق رأسه ، تاليا ً بعضَ الأدعية غير المفهومة .. قبل أن يردّ التحيّة لجاره بأحسن منها ، ويدعوه للجلوس .. لكن الجار ، كان قد جلس ، واعتذر من أبي محمد ، لأنه لم ينتبه أنه كان يتلو القرآن الكريم ..
جلسَ على الكرسيّ الخشبيّ المربّع الصغير ، الذي كان قد قشّشه عند أحد حِرْفيّي القرية المجاورة .. شدّ عنده – حينها – ثمانية كراسي صغيرة ، ومثلها كبيرة ، ذات مساند خشبية .. يكفون البيت سنوات عدّة .. لكنه تضايق ماديا ً .. وصار نزقا ً أكثر .. وازدادَ اهتمامه بالزراعة ..
جرّبَ أن يزرع الذرة الصفراء بكميات أكبر .. ولم نعرف مَن الذي أشارَ له بأن يزرع أيضا ً الذرة البيضاء ، التي لعبتْ عليها منتهى مع إخوتها ، عندما كانت حبوبها مكوّمة في ( السيباط ) بجانب كومة القمح ، وأكوام الحبوب الأخرى .. كتلال ٍ صغيرة .. وكان ذلك سببا ً في حكاك ٍ مؤلم ، وتورّم ، واحمرار في أجساد الصغار .. خصوصا ً منتهى .. وقيل – حينها – أنه ( الشرى ) وقد نصَحَت الجارة ، جدّتهم ، أن تحيط أعناقهم بخيوط من الحرير ، ليزول الحكاك .. ويشفون ..
كما زرع أبو محمد ، حوالي ثلاث دونومات من التبغ ، ساعده عليها الكثيرمن رجال القرية ، ونسائها ، وأطفالها.. كانوا ينقلون المياه من العين البعيدة ، على الحمير ، في ( الرّاويّات ) .. في عملية شاقة جدا ً .. أنهَكتْ ، حتى الحيوانات ..  كما زاد من كمية تربية دود الحرير .. حيث ربّوا – حينها – علبة كاملة ، من البذر .. فقّسَتها أم محمد ، بخِبرتها العالية .. واحتاجتْ أن توقِدَ قربها مدفأة الحطب الحديدية الأسطوانية ، وتلفّها بالبطانية ..
أما ( الكرينات ) فقد داستها معها حماتها ، شاركتها منتهى ، وإخوتها .. بالرغم من تقزّزهم من تلويث أرجلهم بروث الحيوانات ..
دارتْ أم محمد وحماتها وابنة عمها ( أمينة ) أكثر من خمسين ” كرينة ” .. بالإضافة إلى الكرينات الباقيات من العام الماضي ..
كانت العملية تدور فوق السطح الترابيّ ، بعد أن يُرَشّ تحت الكرينة ، قليل من التبن ، ليمنع التصاقها بالسطح ..
تذكر أم محمد ، أنها كانت مرة ً مُرهقة إلى درجة كبيرة .. فاستعانت بابنة الجيران الفقيرة ، لتساعدها في قطف كمية إضافية من ورق التوت ، لأن الكمية لم تكف ِ ..
كانت ( سهيلة ) تتمنى أن تطلب منها أم محمد أية خدمة .. لتردّ لها بعضَ جميلها عليها ، وعلى إخوتها الصغار .. لأنها كانت تساعدهم كلما سنحتْ لها الفرصة .. بالطعام ، أو اللباس ، أو خياطة ، أو ترقيع بعض الألبسة على ماكينة اليد التي عندها .. لذلك ، لم تتردّد عندما طلبتْ منها مساعدتها بالقطاف ..
( حَلّبَتْ ) أم محمد لسهيلة .. أيّ : جعلتْ من كفيها مدرجا ً ، تصعد بواسطته التوتة ..
وعندما استوَتْ فوقها ، أخذتْ تتناول – مُسرعة ً – بعضَ الأغصان بيد ، وتشفط الورق باليد الأخرى ..
لكنها – وهي منشغلة بهذا العمل العَجول – داستْ ، وهي تنتقل من غصن ٍ إلى آخر ، فوق غصن ٍ طريّ ، لم يحتمل جسدها .. فسقطتْ فوق أم محمد .. التي كانت تشفط ، وهي واقفة ، تحت التوتة .. فأحْنتْ لها ظهرها ، الذي لم يكن يحتاج كثير عناء ٍ كي ينكسر .. دون أن تُصابَ هي بأيّ أذى ..
وكانت هذه الحادثة ، ولا تزال .. تُضحِك كل من يذكرها ، خصوصا ً أم محمد .. حتى بعد وفاة المرحومة الشابّة – محروقة – ليلة َ وَضعها مولودها البكر ..
رحمة ُ الله عليك ِ .. يا سهيلة ..
كنت ِ تقومين بأعباء منزلكم المكوّن من غرفة ترابية كبيرة ، مقطّعة غرفا ً صغيرة .. تفصلها عن بعضها توابيت صدئة ، تحتوي على بعض الحبوب .. والدواب تحت ( السيباط ) .. وكنتم عائلة مؤلّفة من ثلاثة عشر أخا ً ، وأختا ً .. بالإضافة إلى العم المعتوه ..
أبوك ِ ، كان يعمل في لبنان .. يضرب بالفاعل ، أغلب أيام السنة ..
أمك ِ، تلك الفلاحة الكادحة ، التي غالبا ً ما تشكو من فقر الدم .. لأنها كانت تحمل كلما أكملت الأربعين .. وعندما يسألها الأشقياء : – من أين ، يا أم سهيل ..؟!
تردّ : – وعَدتُ أبا سهيل ، إن لم يتزوج عليّ لبنانية .. سأنجب له كل سنة ولدا ً ..
كنت ِ ، يا سهيلة ، الابنة البكر لتلكَ العائلة الشقيّة .. وكنت ِ تقومين بأغلب أعمال البيت ، والحقل .. لم تدخلي المدرسة ، قطّ ..لكنك ِ تعلّمت ِ القراءة ، والكتابة ، في دورة محو الأمّية ، التي كانت منظمة الاتحاد النسائي تقوم بها بشكل دوريّ .. وحرصت ِ على أن تبرزي تلك الشهادة ، عندما جاء ذلك الشابّ الحمصيّ لخطبتك ، مع أهله .. سألتك  ِ جارتك ِ ( آمنة ) – حينها – :
هل تعرفونهم ، من قبل .. يا سهيلة ..؟!
أجَبْت ِ بالنفي ..
تابَعَتْ ، تلك الجارة الحاصلة على الشهادة الثانوية :
– وكيف تتزوجين واحدا ً لا تعرفين عنه شيئا ً ..؟!
أجَبْتِها بزهوّ :
– إنه ابن مدينة .. وأمه وعدتني أن تكون مثل أمي ..
– وماذا يعمل ..؟!
– موظف ..
– أين ..؟!
– لا أدري .. لكنه يأخذ راتبا ً ، أكثر من ألف ليرة بالشهر ..
مسكينة ، يا سهيلة .. كم عُدت ِ بعد زواجك ِ – مرة ً – إلى بيت أهلك ِ ، باكية ً ، رافضة ً أن تعودي إلى حمص ..!!
وكم عادتْ حماتك ِ وراءك ِ ، مترجّية ً أن تعودي معها .. حالفة ً على المصحف ، أن ابنها لن يعيدها مرة ً أخرى .. !!
آه ٍ .. عليك ياسهيلة .. !! .. آه ..!!
كويت ِ أهلك ِ ، وقريتك ِ .. شيبَها ، وشبابها .. كبارها ، وصغارها .. نساءها ، ورجالها.. برحيلك ِ الصاعق ذاك ..
لا تزال معاناتك يا سهيلة .. قبل زواجك الخائب ، وبعده .. في بيئتك الغريبة الثانية .. لا تزال تضغط على صدر كل حُرّ ، وحرّة ، ممن يعرفك في ( عين براعم ) وجوارها ..
بكاك ِ الجميع .. شُيّعت ِ في عين براعم ، كما رغِبْت ِ ، قبل أن تلفظي أنفاسَك ِ ، في ذلك المشفى الكئيب ..
أوْصَيت ، أولا ً ، بحسّان .. أخيك الأصغر .. ثمّ بأمك .. تلك التي كانت تدور في ( الزاروب ) ، حين أتاها خبر وفاتك ، صارخة ً .. نادبة :
– كويت ِ قلبي ، يا سهيلة .. وأنت ِ مَن كنت ِ تداوين قلبي .. أين ذهبت ِ ، وتركتِني ..؟! أين ..؟!
ونساء القرية يُفسِحن الدربَ أمامها .. وهي تروح وتجيء .. وتضربُ على رأسها ، وصدرها ، وجبينها .. نادبة ً ، ثكلى :
– ( وينك ، يا ضوّ عيني ..؟! وينك ..؟! ليش رحتي وتركتيني ..؟! ولمين ..؟! لمين تركتيني ، يا روح قلبي ..؟! لمين ..؟!
نار .. يا عالم ، دخيلكم ، نار .. نار شاعلة بصدري ..!! )
كان الإحساسُ بالذهول ، والقهر ، والحزن عليك ، يغلّف كل القلوب ..
صحيحٌ ، أنك ِ كنت ِ بسيطة .. لكنك ِ كنت طيّبة ، نقيّة ..
صُدِمْت ِ ، حين انتقلت ِ إلى عالم المدينة ، بعد زواجك ..
كان عالما ً غريبا ً كل الغرابة عن بساطة قريتك ، وعفويتها .. كلّ شيء فيه محسوب ..
سُئِلت ِ ، أول مرة ( تهجّين ) أو تهربين فيها إلى عين براعم ، مُستنجدة ً ببيت أهلك .. عُدت ِ لتنامي بين إخوتك ، على ذلك الحصير المهترئ .. فوق الطراريح الدافئة ، التي طالما ضمّتْ أحزانكم ، لسنوات سابقات :
– كيف أتيت ِ دون زوجك ..؟!
ظنا ً منهم أنك أتيت ( ردّة الإجر ) .. كما كانت تدعى الزيارة الأولى للعروس إلى بيت أهلها ، بعد زواجها بعدّة أيام ؟؟
لم تجيبي على ذلك السؤال .. إنما اكتفيت ِ بإضاعة الحديث من خلال أحاديث تافهة ، متواصلة ..
لكنك ِ – بعد أيام – وكنت ِ قد تغيّرت ِ كثيرا ً يا سهيلة .. لم تعد نظرتك خجولة ، أو بريئة .. صارت خائفة ، حائرة .. بدَوْت ِ مستغربة ً عالما ً أبعَدَ ما يكون عن عالمك في عين براعم ..
وبعد إلحاح من أعز صديقة لك ، شرحت ِ كل شيء دفعة ً واحدة ..
كنت ِ – أول الحديث – حريصة ً ألاّ يسمعه أحدٌ إلا ( فداء ) .. لكنك ِ، ما إن استرسلتِ بالحديث الهامس ، حتى صار صوتك ِ يتعالى تدريجيا ً .. وصرت ِ تسردين ما حصَل لك ِ بسرعة ٍ هستيريّة .. غير عابئة بالفضوليين الذين تجمّعوا حولكما ..
ومن ضمن ما قلت ِ :
– تمنّعْتُ قليلا ً .. كنتُ خجلة .. وخائفة .. لكنه ضربني .. وصرخ في وجهي :
( شِبِك ، ولِك ْ .. ؟! العَمَه ..!! أول بنت بشوفا هيك بحياتي ..)
وجُنِنت ِ .. صرخت ِ .. شتمت ِ .. بكيت ِ .. ارتعَبْت ِ :
– يا ويلي ..!! ماذا فعلتُ بنفسي ، وبأهلي ..؟! إلى أين أتيتُ ..؟! يا ويلك ، يا سهيلة ..!! يا ويل أهلك ..!! وعين براعم كلها ..!! لكن ، أين تذهبين ..؟!
كانت هذه أول جولة هروب لك من ذلك الزوج الوحش .. أما الثانية ، التي تلتها بعد أن أقنعتك حماتك ، أن ابنها سيعاملك أحسن معاملة إذا رجعت ِ .. ولم تتجاوز عودتك ِ شهرا ً من الزمن .. ظنّ الجميع أن حالك اصطلحتْ مع زوجك .. حتى عُدت ِ في حالة أبشع من الأولى بكثير ..
بَدَوْت ِ فيها مختلفة ً جذريا ً .. تحوّلت ِ من فتاة رقيقة ، خجولة .. إلى امرأة ٍ هستيرية ، متصدّعة ، مشتتة ، قلقة .. صوتها يشبه صوت الرجال .. وسلوكها أيضا ً .. لا يُخجلها شيء .. لا تحبّ شيئا ً .. ولا تكره شيئا ً .. أو ، ربما كنت ِ تكرهين كل شيء.. إلا دارَ أهلك ِ ، و ( الدّوّارة ) التي احتضنتْ أول خطاك ِ .. و ( الجْدار )
والحقول التي كنت ِ ترعين فيها دوابك ، و( التلازيق ) التي كنت ِ تحشّين أعشابَها، أو تبَوّرين فيها (كحالة ) .. بعد أن وضعَتْ عِجْلها ..
اختبأت ِ ، أول ما وصَلت ِ ، تحت ( السيباط ) خلف الدواب .. عَجّت ( كحالة ) ونهقت الحمارة .. وارتفعَ ثغاءُ الخراف ، حين شمّوا رائحتك ِ يا سهيلة .. كنت ِ ترجين ملاذا ً آمِنا ً طالما منحَك ِ الاطمئنان والدفء .. كنت ِ توَدّين العودة إلى زمن ٍ دافئ ، رغم قسوة فقره .. لكنه إنسانيّ ، محَلّيّ ، أهليّ ..
اجتمَعَ عقلاء القرية .. بطلب ٍ من أهلك .. أقسم زوجك على المصحف الشريف ، وعلى شرف أمه .. أمام أهلك وأهله ، وعقلاء عين براعم .. أنه يتعهّد أن يغيّر أسلوبه جدّيا ً معك ِ هذه المرة .. وأنك ِ جعلت ِ منه إنسانا ً آخر ..
صَدّقوا .. وصَدّقت ِ .. أو ، ربما حاروا .. وحِرت ِ ..
و عُدت ِ .. ولم تعودي – بعدها – إلى عين براعم ، إلا جثة ً محروقة ، وعلى حضنها رضيعٌ ، مات – كما يقال – عقب ولادته مباشرة ً ..
أما كيف حصل ذلك ..؟! فالعلم عند الله ..
بقيت ِ عدة أيام في المشفى .. لم تبوحي بطريقة حرقك ، أو بمن حرقك .. لكنك ِ عندما شعرت ِ بدنوّ أجَلك .. طلبت ِ إحضار أكبر اثنين من إخوتك .. لازموك ِ حتى فارقت ِ الحياة – مبتسمة ً – رغم الآلام التي لاتطاق .. بعد أن أوصَيت ِ بأخيك ِ الأصغر .. وبأمك ِ البائسة .. وبأن يدفنوك ِ في عين براعم ..
وبقيت ِ تردّدين الوصيّة ، إلى أن ارتقتْ روحُك ِ الطاهرة ، إلى بارئها .. تاركة ً سرا ً .. أو أسرارا ً .. سيحلّها الزمان .. لكن ، متى ..؟! أيتها الشهيدة ُ الضحيّة ..؟!!!
ليتك ِ عرفت ِ مكانتك ِ بين أهل قريتك ِ ..!! ليتك ِ عرفت ِ كيف اجتمعوا في جنازتك ، يبكونك – بصمت ٍ جليل – .. كأنهم يعتذرون لك عن ذنب ٍ ما .. ظنوا أنهم اقترفوه بحقك ..
كنت ِ استنجدت ِ بحبهم لك .. وشرحت ِ لهم ظروفك ِ ..
كانوا حفظوك ِ في قلوبهم ، يا سهيلة ..
لم يستطيعوا أن يقدّروا وضعَك ِ .. أغلبهم ، كانوا ببراءتك .. أو ، ربما أرادوا لك ( السّترة ) بالزواج .. ظنا ً منهم أنك ِ ستعيشين حياة ً مرفهة ً، في المدينة .. خالية ً من روث البقر .. وطين الأسطحة .. ونقل المياه من العيون البعيدة ، ليلا ً ، ونهارا ً ، بالجرار الفخارية ..
ظنوا أن يديك ستصبح ناعمة .. لكنهم شاهدوها محروقة ..
ظنوك ِ ، ستنسين الحليب الذي رضِعْتِه ، في عين براعم .. حين تتذوّقين الكبّة باللبن ، والحلويات العربية ، والأسماك …. إلخ
لم يعرفوا أنك لا تستطيعين الحياة ، أو الموت .. إلا في عين براعم ، بينهم .. وأنهم كانوا ، وسيظلون ، عالمك ِ الأرحَب ، والأحَبّ .. إلى نهاية الدنيا ..
( سامحينا ، يا سهيلة ..!! ) كلهم قالوها في وداعك ..
ولم يجرؤ ذلك القذر، أو أمه ، أو أيّ فرد من طرَفهم ، أن يقتربَ من عين براعم .. لا في تشييعك ِ .. ولا بعده ..
******************************************************************
حاولتْ – تلك الليلة – أن تنام .. لعبتْ مع إخوتها ، وأخواتها ، بعد أن كتبوا وظائفهم .. لعبوا بالوسائد .. تقاذفوها بينهم .. ضربتْ إحداها المسمار الموجود على ( الساموك ) قبل أن ترتدّ إليهم ، ناثرة ً قشّ البرغل من بطنها المنتفخ ، فوق وجوههم ، وعلى الفرش التي ينامون عليها ، فوق الأرض الترابية ..
تناثرَ القشّ في كل مكان .. نزل بعضه في موقد الحطب الحديديّ المستطيل ، الذي كان لا يزال باردا ً ، منتظرا ً أمطار الشتاء التي تأخرتْ هذا العام ، حتى بعد بداية تشرين الثاني ، بعِدّة أيام ..
عمّها ، الذي يخدم الجيش ، خدمة ً إلزامية .. كان قد ساهمَ في قطع الحطب من الوادي ، ونقله على الدواب ، وتكديسه في مكادس دائرية ، شرقي خمّ الدجاج ، استعدادا ً للشتاء القادم ..
مرة ً ، اصطحَبها عمّها ذاك ، معه ، إلى حقل قريب .. كانت لا تزال في بداية المرحلة الابتدائية .. حاول أن يعلّمها كيف تنثر حَبّات الذرة الصفراء خلفه ، وهو يفلح الأرض .. فأخذتْ ( تلقط ) الذرة خلفه ، بفرح وسعادة ..  كل شبرين ، حبة ، أو أكثر .. ربما كان بعضُها ( مُسَوّسا ً ) ..
كم كانت سعيدة ً ، حين رأت الحقل يتحوّل – بعد أسابيع – إلى مرج ٍ أخضر .. حيث ساهَمَتْ مع جدتها في تعشيبه ..!! كم حرصتْ – حينها – على شتول الذرة ، التي زرعتها ..!!
مرة ً ، رأت عمها ذاك ، يركض بسرعة ٍ بالغة .. ساقاهُ في الريح .. مُخلّفا ً بعضَ الحصى ، تقفز من تحت صندله الغوما المهترئ ، المعلّق ببعض ِ أصابع قدميه ، فقط .. أسرعتْ خلفه .. نادته :
– إلى أين ، يا عمي ..؟! خذني معك ..
لكنه لم يُجِب ..
بكتْ ، لتستعطفه .. لكنه كان قد ابتعدَ ، نازلا ً ( الجورة ) حيث الحقل المسمّى ( السّقال ) الذي يكثر فيه ( بيضُ الحمام ) .. نزلتْ خلفه ، حافية ً ، باكية .. لكنها عَلِقَتْ على إحدى ( السلاسل ) العالية .. حين حاولت تقليد عمها باجتيازها ، دون جدوى .. فجلستْ فوقها .. ساقاها متدلّيتان .. رتلٌ من نمل الشجر، يتلوّى ، كالحَيّة ِ السوداء الطويلة ، التي حكتْ لها جدّتها عنها – يوما ً – ، يمتدّ ، من أعلى شجرة السنديان ، إلى مدى لم تعرفه ( منتهى ) بعدُ ..
اجتاز هذا الرتلُ ساقيها ، بشكل مُعترض .. قرصها بعضه ، وتغلغلَ بعضه تحت بثور الحَبّ المتقيّح .. خافت ، وصرخت بأعلى صوتها .. شاهدت عمها يرخي حجَر ( الطافوحة ) ويسرع لنجدتها .. نفضَ عن ساقيها النملَ .. ثم حملها فوق ظهره ، ونزلَ ثانية ً نحو ( السقال ) .. أجلسها قربه ، تحت الأشجار الكثيفة ، فوق العشب الرطب .. حفرَ – وهي تنظر إليه باندهاش – حفرة ً ، بأعواد السنديان ، وبأظافره .. استخرجَ بضعَ حبّات بيضاء دائريّة ، مازجَ بياضَها بعضُ البنفسجيّ .. قشّرَها بأسنانه .. ناوَلها إياها ، وأكلَ أيضا ً ..
– ماهذا ، يا عمي ..؟!
– ( بيض الحمام ) .. أليس لذيذا ً ..؟!
– لذيذ .. لكن ، كيف أحصل عليه ..؟!
علّمها ، أنه حين ترى أوراق النبتة الخضراء ، فوق الأرض ، فمعنى ذلك أن ( بيض الحمام ) تحت التربة ..
كراتٌ صغيرة ، معلّقة ٌ بجذور النبتة ..
تركها تفعل .. وذهبَ ليتفقّدَ ثروته المتوقّعة ، من عصافير ، ربما اصطادتها ( الطوافيح ) التي نصَبها في أماكن عِدّة ، منذ المساء ..
كم كان يشعر بالخيبة ، إذا كان الصيد قليلا ً، أو معدوما ً ..!! عند ذلك ، كان يعدل لعِدّة أيام ، عن نصب ( الطوافيح ) .. ويَصْلي ( الدّبق ) بدلا ً عنها .. فنادرا ً ما كان ( قضيب الدبق ) يخيّب أمله ..
***********
تقلّبَتْ في فراشها .. إخوتها كلهم رقدوا .. لم يكن الفراش قاسيا ً ، كما كان تلك الليلة .. غطّت رأسها باللحاف .. فكّرت : – لماذا الملحفة البيضاء ، قِسمين ..؟! من تحت ، سميك .. ومن فوق ، رقيق ..؟! ولماذا يقصّون الغنمات ، ويعملون من صوفهم فرشا ً ، ولحفا ً ..؟!
آلمها أن أهلها يعتدون على ثياب الغنم .. ولم يزلْ ألمها إلا عندما رأت الصوف ينبت من جديد فوق أجساد تلك الحيوانات الوديعة ..
العام الماضي ، شاركت جدتها والعائلة ، في تنقية الصوف من بقايا روث الحيوانات ، والتبن ، والأشواك العالقة به .. ورافقت جدتها ، التي كانت قد أخذت دَورا ًعلى العين ، من الأمس .. حيث ( لقّفتها ) بالطاسة النحاسية ، طاسة ً ، طاسة .. وكانت ( منتهى ) تقف على باب العين المسقوفة بحجارة مرصوفة بشكل مخروطيّ .. تذكّرت المثلث ..
وعلى عمق عدة درجات من ( منتهى ) كانت جدتها ( تقرفص ) وتنحني فوق جورة العين الشحيحة ، تتلقّف ما تجَمّعَ من مياه صافية ، عذبة .. متحاشية ً – قدر الإمكان – حبّات التراب الحمراء والسوداء والرمادية .. التي في القاع .. فهي لا ينقصها تعب ، لتعود وتنقي الصوف مرة ً أخرى ..
وعندما تمتلئ تنكة الصفيح ، تحملها من الخشبة المثبّتة على إحدى حوافها ، وتصعد بها الدرجات الستّ ..
مرة ً ، داست على طرف فستانها – وهي تنهض – فسقطت التنكة المليئة فوق الحجارة ، ثم استقرّت في مياه النبع ، وعكّرتها .. ولولا أدعيتها ، واستنجادها بالله ، وبالمؤمنين .. لانكسرت عظامها ، كما حدث للتنكة ..
– أبعِدي يديك ِ ، يا منتهى .. دعيني أمُرّ ..
وتلقي الماء فوق الصوف ، أمام العين .. تنكة .. تنكة .. وتدعَكُ – بكل ما أوتيتْ من قوة – وفي يدها قطعة صابون بيضاء ، صغيرة ..
تجمع الصوف النظيف .. وتنشره على سياج حقل بيت أبو حسين ، فوق أغصان السنديان اليابسة ، أمام العين .. ربما لأيام .. وحين يجفّ ، تعبّئه ( بأكياس ) من الخيش .. وتعيده إلى البيت ..
كم كانت منتهى تحبّ رائحة النظافة ، ومنظر الصوف الأبيض اللامع ..!!

– الأستاذ سمير ، يسلّم عليك ِ ..
– صحيح .. قبل أن يأخذ إجازة مرضية ، سألنا عنك ِ .. وقال بصوت ٍ ضعيف : – سلّموا لي عليها ..
( وتجفل ) : – الأستاذ سمير مريض ..؟!
( تقهقه إحدى زميلاتها ، ساخرة ً ) :
– يقولون .. يقولون إنه مرضَ عندما سمع أنك ِ تزوجت ِ .. !!
( وتتابع القهقهات .. قبل أن يصدّها محمود ) :
–  سدّي فمك ِ .. لا زلت ِ حتى الآن ، تغارين من منتهى ، يا كسولة ..؟!
( تطرق منتهى .. تشعر بالانكسار .. وتتذكر ) :
– ( من أية قرية ، أنت َ ، في فلسطين ، يا أستاذ ..؟!
– إيه ..!! من عكا ..
– عكا .. التي فيها ( المقعد الخالي ) بكتاب ( التراب الحزين ) ..؟!
– كل فلسطين تراب حزين ..
– أستاذ .. أنا ومُزنة ، سنذهب فدائيات .. نستشهَد ، ونأتي ..
تضحك زميلات منتهى ، وبعضُ زملائها ، على هذا الخطأ غير المقصود ..
تحمَرّ .. لكنها تحاول أن تتجاوز غلطتها بذكاء :
– لماذا تضحكون ..؟! الشهيد لا يموت ..
” ويبتسم الأستاذ سمير عودة ..” ( حتى أسماؤهم ، تدلّ على أحلامهم )
يبتسم .. ويلوّحُ برأسه بمرارة .. ثم يُطلق تنهيدة ً بعيدة ، عميقة .. ويدفن مشاعره داخل ذلك الصدر المكشوف قليلا ً .. يُطلِق – فقط – :
– ألله كريم ..
ويضغط بأسنانه على شفتيه معا ً .. قبل أن يتابع الدرس ، ويطلب من منتهى ألاّ تعود وتقاطعه .. فالامتحان على الأبواب .. والمنهاج لم يكتمل بعدُ ..)
*****************************************************************
– أمي .. ابراهيم ليس في البيت ..
–        قلتُ لك ِ مئة مرة ، أنا مشغولة .. روحي إلى بيتك ، يا منتهى .. ماذا بمقدوري أن أعمل لك ِ ، إن كان زوجك ِ غائبا ً ..؟!
– أمي .. أرجوك ِ .. ابعثي معي أحد إخوتي لينام عندي ..
– آخ ..!! يا ريت ألله يأخذني الآن ، ويريحني ، يا ابنتي ..
قلتُ لك ِ” وتشدّ شعرها ” ..آخ .. آخ ..!!
– والله ، يا أمي أعرف .. لكن .. لكن .. والله أخاف أنام بمفردي ..
– اخرسي ، يا منتهى .. لا ترفعي صوتك .. لا تدَعي أباك ِ يسمع صوتك  ِ ..
مِمّ تخافين ..؟! قولي .. !! حماتك في البيت .. أرجوك ِ ، لا تتعِبي قلبي أكثر يا منتهى .. ألله يرضى عليك ِ .. صرت ِ امرأة .. وصاحبة بيت .. عيب أن تنامي خارج بيتك ِ ..
تتساقط دموعُها ، كشلاّل خريفيّ ..تحمل كيسها ، فيه شالها البرازيليّ الثمين ، الذي لا يُعجبها لونه.. وراديو صغير.. ومناديل ورقية.. وعلبة أسبرين.. وكتاب النصوص .. ودفتر .. وقلم .. والمفتاح في جيبها..
تمشي نحو منزلها وحيدة ..
الشمسُ أيضا ً ، تغرب ُ وحيدة ..
هي ضعيفة ، باكية ..
لكن الشمسَ قوية ٌ ، حالمة ..
هي منطفئة .. لا ترى أفقا ً لحياتها .. بينما الشمسُ تذهبُ شامخة ً على أمل الإشراق صباح اليوم التالي ..
هي ذاهبة لتنام وحيدة ، في غرفتها الباردة ..
لكن الشمسَ تستعِدّ لتنام في حضن حبيبها البحر.. لتعتلي السماء ثانية ً ، مُخصّبة بالحبّ ، الذي تحيله دفئا ً .. وتنشره على الكون ، كل يوم ..
– ماذا تغدّيت ِ اليوم ، عند أمك ، يا منتهى ..؟!
( تمسح دموعها ، وتجيب ) :
– بطاطا محموسة ..
– تعالي نتناول العشاء يا ابنتي .. شوينا على الغداء ( شلّوف ) و ( زيغة ) ..
إبن عمك ، وائل ، كان معه ضيوف من طرطوس .. وسرَقتُ لك ِ فخذا ً .. ( مُحاولة ً أن تضحِكها ) ..
سَرَدَتْ لها العجوز، بعضَ الأحاديث التي جرتْ في غيابها .. عن الدجاج ، والأرض ، والعنزة .. وعن أشياء كثيرة ، لا تهمّ منتهى .. ليستْ من عالمها .. ولا تعرف عنها الكثير ..
تململت منتهى ، ثم قامتْ لتنام :
– جدتي .. ألا تنامين عندي ..؟!
– أولا ً .. أنا لم أعُد جدتك .. صرتُ امرأة عمك .. ثانيا ً .. هل تقبلين أن تنام عجوز مثلي في سريرك ..؟!
( تبتسم قليلا ً ) ..
– أخاف ..
– من أي شيء تخافين ، يا ابنتي ..؟! أنا في الغرفة المجاورة ..
( شعَرَتْ بذلّ الطلب ) .. نعقت بومة في الخربة التي كانت منزلا ً لجيران غيّروا مسكنهم الترابيّ ، بآخر إسمنتيّ .. صاحَت العجوز هلعة :
– ألله يسترنا .. ( وأسرعَتْ خارج المنزل ، تصلي ، وتدعو ألاّ يموت َ أحدٌ من ذلك البيت .. وترشق الشجرة المجاورة ، والمنزل الخرب بالحجارة .. كي تبعِدَ نذير الشؤم ذاك .. دون جدوى ) ..
يهتزّ كيانُ العجوز .. وتنتقل العدوى إلى منتهى .. تصرخ العجوز ، رائحة ً ، غادية :
– يا ويل ويلي .. ماذا أتى بك ِ إلى هنا ..؟! ياريت ، إذا كان أحد من هذا البيت سيموت ، أكون أنا العجوز ، ولا أحد غيري ..!!
ترتعِب منتهى .. وتحضنها حماتها ، وتنام ..
وجود ُ العجوز ، لا يكفي لتهدئة رعبها .. ولا لِكسر وحشتها .. إنما – فقط – يخفف منها قليلا ً .. يُشعِرها أنها ليست وحدها في هذا العالم الغريب ..
***********************************
{  –  وَسّدني أضلعك ..
واحملني ..
سافر بي إلى أبعَد مدى ممكن ٍ ، أو غير ممكن ..
– سنجفّ هناك َ ، دون مطر ، أو تراب ..
– سأصطحبُ ضَمّة ً من هذا التراب ، وبعضَ أوجاعنا ..
نغزلُ أسرابا ً من الغيوم المطيرة .. نزاوجها .. ثم ندفعها – برياح خِصبنا – إلى ذلك المكان الجديب .. نستنفرُ أيلوله الحزين .. المتكئ على جدار إسمنتيّ خشن ..
ندعو حبّات البَرَد أن تحتضنه ، وتقبّلَ وجهه الشاحب ، وجسده النحيل .. بكلّ قوّة .. فيشهق .. ويتنبّه .. ويركض .. يركض خائفا ً ، هَلِعا ً ، ثمّ منتشيا ً .. يصنعُ المعجزات ..
نبلّله برؤى الغد الأخضر ..
يجلسُ قربَ المدفأة ، مع العائلة .. ويحلمُ .. يحلمُ .. ويفكّر .. ثم ينهض صباحا ً .. ويسير باتجاه الحقول ..
تعالَ ..
فأنا بانتظارك َ ..
أنقِذني من هذا الخواء ..
تساقط على عمري ، خيوطا ً من أمل ..
ازرعني في قلب واحة ٍ بِكر ..
و – فقط – ، – فقط – أمطِرني بالقبَل ..
ودَعني ..
دعني أغرّدُ عند طلوع الفجر .. أحمل مشاعل الخصوبة .. وأطيرُ .. أطيرُ ، فوق بلاد ٍ هجَرَتها الطيور ..
أنثر اللهيبَ في ساحاتها المعتمة .. وأدعو إله الشمس إلى الاحتفال .. فيأتي متبرّجا ً ، يحملُ عصاه ُ السحرية ، مخاصِرا ً إلهة الغيم .. يعقد زفافه عليها ..
احملني إلى تلك الواحة ..
عندها .. سأدعوك َ للاحتفال بميلاد أول طفلة ٍ لهما ..
سأحتويك َ بأمان قلبي ، إن فعلت ..
سأطلِق قبلتي من عِقالها ، وأسرحُ بها على جبينك َ المُعشِب .. عابرة ً شفتيك ..
فأقبِلْ ، دون تردّد ..
إنني بانتظاركَ .. }
******                                                     
           زينب
السور الأخضر
2004م
******************************************************************

– هل أنت َ أبي ، أو أستاذي ، كي تضربني ..؟!
– أنا زوجُك ِ .. هل فهِمت ِ ..؟!
ويشدّ شعرها .. ويزداد ألمها ، حين تحاول التخلّص من قبضته .. وتتطايرُ بعضُ الشعرات الكستنائية الطويلة ، بعد أن يرفع يده المنتصرة عن رأسها الصغير .. وينفض يديه من بقايا شعرها ، بتقزز .. كأنه ينفض عنهما عفونة ً ما ..
ومرة ً ، ضمّها إلى صدره ، بعد أن كان قد أشبَعَها ضربا ً ، وهي تصرخ .. وأنهارُ الدموع ِ تسيلُ من عينيها .. حتى صار خدّاها كالتفاحة الحمراء ..
ضَمّها ، وهي تشهق ..
هي بحاجة إلى مَن يضمها ..
لكن ، ليس إليك َ ، يا ابراهيم ..
هي تحتاجُ أما ً ..
وأنت َ لست َ أمها ..
وتحتاج ُ أبا ً ..
وأنت َ لست َ أباها ..
وحبيبا ً يحضنُ أوجاعَها ..
لكنك َ أبعَدَ ما تكون عن هذه المكانة .. لأنك َ الموجِع ..
تدفِئه حرارة ُ جسدها الصغير .. يمسحُ دموعها .. تضطرب .. وتدسّ رأسها في صدره .. لكنها تتألّم .. لأنها تعتبر نفسها غير طبيعية .. كيف تنام في حضن جَلاّدها ..؟!
لكن .. أين تذهب ..؟!
يقبّلُ رأسها .. ويمسح شعرها ..
يزدادُ اضطرابُها .. وتزدادُ حاجاتُ روحها ، وجسدها ..
– لماذا أنت ِ مقهورة ٌ هكذا ، يا منتهى ..؟!
تزدادُ غزارة ُ دموعها ، حين تشعر أنه يتعاطف معها ..
ويتابع :
– لماذا تخجلين إن ضربتك ِ ، أو أهَنتك ِ أمام الناس ..؟! ألستُ زوجَك ِ ..؟!
( تجفل ) ..
– طبيعي.. وطبيعي جدا ً ، أن يتخاصَمَ المتزوّجون .. ألا ترين أباك ِ ، وأمك ِ ..؟! وجيرانك ِ .. وكل من تعرفين ..؟!
تبقى صامتة ، حائرة .. لا تعرف إن كانت ظالمة ، أم مظلومة .. تشعر بالتشظي بين مفهومَين .. تكره الزواج .. وتكره الرجال.. لكنها تحتاج إلى الحب .. وإلى مَن يفهمها .. تحتاج الحوار مع الآخر .. باحترام متبادَل .. بندّية..
يغفو ابراهيم ، ومنتهى في حضنه .. لكنها تعجزعن النوم .. وكلما حاولت أن تستدير وتنام على جانبها الآخر ، يعيدها إليه ، وهو بين اليقظة والنوم .. وعندما يسترسل في النوم ، تفلت نفسها منه بهدوء .. وتستدير .. وما هي إلا لحظات ، حتى تغفو ..
وياما .. ياما استيقظت ، وهي تظن أنها تنام في حضن أمها ..!!
*************
مرّة ً ، هربتْ من عصاه .. وركضتْ ليلا ً خارج المنزل .. تصرخ بصوت ٍ مرعوب ..
لم تكن تدري لماذا رفعَ عصاه فوق رأسها – وهي جالسة تشتغل الصوف – تحاول أن تعمل شيئا ً.. لم تكن تتقن إلا شغل الصوف ، الذي علّمتها إياه أمها ، منذ كانت في الصف الخامس .. كانت تشتغل الكنزات الصغيرة جدا ً ، ليست على مقاس أحد ..
لحقها إلى خلف جدار المنزل ، الذي حاولت الاحتماء به في عتمة الليل ..
نحيبُها ، دَله على مكانها ..
بسرعة ٍ ، وصمت ٍ .. لَفّ شعرها حول أصابعه .. وصار يشدّ ه ، ويرخيه .. فصرخت ..
وضَعَ يده على فمها .. قرّبَ وجهه من وجهها .. صرخت أكثر.. لكن بدون صوت مسموع .. ضغطَ بشدّة على فمها .. ظنتْ – لثانية – أنه ربما اشتهاها في تلك اللحظة .. لكنه قرّبَ فمه من أذنها ، وهدّدها – هامسا ً – :
– والله .. إذا سمع الجيران ، سأموّتك ِ .. هل فهِمت ِ ..؟!
وكرّرَ ذلك عدّة مرات ..
زاد َ اضطرابُها .. ارتفعَتْ مستوياتُ رُعبها .. زاد َ الضغطُ على أوردتها ، حتى كاد يُغمى عليها ..
لا تعرف كيف تتصرّف .. الليلُ لا يُخيفها – أبدا ً – .. تستطيع أن ترى ضبعة .. لكن أكثر ماكانت تخشاه – حينها – أن ترى إنسانا ً ..
يا ويلك ، يا منتهى ..!! يا عاثرة ..!!
بقيتْ أكثر من ساعة ترتجف ، في ذلك الليل .. تبكي بصمت .. تصرخ .. لكن إلى الداخل ..
شعرتْ بالانهاك .. ثم .. تآلفتْ مع سكون الليل .. وكادتْ تنسجم قليلا ً مع أزيز الصراصير ، ونقيق الضفادع ، في البركة القريبة .. لولا أنها رأتْ شبَحَه في الأفق .. استغربتْ كيف وضع يده على شعرها برقّة .. ظنته في تلك اللحظة ، أباها .. خافتْ .. اضطربتْ .. لكنها ، بعد دقائق ، استسلمتْ للمسات أصابعه ، ولرائحة الرجولة المحبّبة ، والمُخيفة ..
استسلمتْ لصوته المنخفض :
– تعالي .. تعالي يا منتهى ..
حَضَنها ، ومشى بها إلى المنزل ..
أغلقَ الباب .. وَسّدَها ذراعَه .. قبّلها من شعرها ، وفمها ، وعنقها .. ضغطَ جسدَها الصغير في حضنه .. التهَبَتْ .. لكنها سكنتْ في حضنه .. غفى .. شخر .. حاولتْ أن تفلتَ من ذراعيه ، وتستدير .. لكنه تشبّثَ بها أكثر .. وعاد للنوم ..
******************************************************************
كان محمود يتألّم لوضع زميلته منتهى، أكثر من الجميع..مع أنها لم تبادله الحبّ خلال سنيّ الدراسة..( أين كانت أحلامُك ِ مُحَلّقة ً ، يا منتهى ..؟! )
كان يُخفِض رأسَه حين يراها تراقبهم – بألم ٍ بالغ ، وصمت ٍ عميق – وهم آتون من المدرسة ..
( – لم أكن أستطيع النظر إلى وجهها الجميل ، يا زينب .. كانت تبدو شاردة .. كانت في عالم ٍ آخر .. غريب ٍ ، مُخيف ..
ذلك الوجه الملائكيّ ، يتحوّلُ شيئا ً ، فشيئا ً .. إلى خراب ..
آه ٍ .. ثم ، ألف آه ..!!)
كان يُشفق عليها من ذلك المصير الذي لم يكن يتوقعه لها .. وكم مرة ً ، رمى كتبَه على سريره الخشبيّ .. وغيّرَ ثيابه المدرسيّة .. وعاد َ باتجاه بيتها .. متجاهلا ًتوسّلات أمه .. ومتحدّيا ً كل الأعراف .. يقابلها أمام منزلها ، أو خلف جداره ، أو تحت شجرة التوت ..
يستمع إلى همومها .. ويخبرها بما يجري في ذلك العالم الصاخب الذي كانت تعشقه .. عالم المدرسة.. الصديقات ، والأصدقاء .. الأساتذة ، والشقاوات .. عن الأستاذ سمير ، الذي كانت تعشقه .. رغم أنه كان يغار منه كثيرا ً ..
كان يحاول تسجيل ما تسرده عليه من هموم ، لا يستطيع أن يبوح بها لأحد ، إلاّ لدفاتره المدرسية ، التي اصطحَبَها معه عندما هربَ إلى بيروت ..
وسنعرف هذا ، لاحِقا ً ..
كان يصوغ همومَها ، وهمومَه ، على شكل خواطر .. ويحتفظ بها كتميمة ٍ ، يقرأها كلما سنحت الفرص ..
ويعيد صياغتها ، حسب رؤيته الجديدة .. دون أن يُعلِم أحدا ً .. لكنه – مؤخرا ً- عرَضَ بعضها على صديقته الجديدة ، زينب ..
{ مرّة ً ، قفز السور الذي بنيته حولي ، يا ابراهيم ، لتحميني .. خصوصا ً ، أنكَ تغيب عن المنزل كثيرا ً .. سألني :
– كيفك ، يا منتهى ..؟!
لم يصدّق أنني مليحة .. فهو يعرف ما يُسعِدني ..
– أين ابراهيم ..؟!
– مثل العادة ، في صافيتا ، عند رفاق الغربة ..
– وماذا تعملين في غيابه ..؟!
– لا شيء في غيابه .. ولا شيء في حضوره ..
– لكنك ِ تنشرين الغسيل ..!!
– وهل هذا عمل ، يا محمود ..؟!
عندما رفع رأسه فوق السور .. وجالَ ببصره في باحة الدار .. صحتُ به :
– دخيلك ، يا محمود .. انتبه ألاّ تقع .. الحجارة مخلخلة ..
لكنه هبَط عندي – كالقدَر – ..
– دخيلك ، يا محمود .. اخرج بسرعة .. أنا بعرضك ..
تجاهَلَ صوتي المرعوب ، الذي حاولتُ ألاّ يسمعه أحدٌ غيره .. وسارَ ، متفقّدا ً الدار ، كمسؤول في الأمن العام :
– شووو …!! مقعد في الخارج .. ومقاعد في الداخل .. وحديقة .. وزيزفون ..!!
العِزّ ، للرز ، يا منتهى .. لكن صاحب العز غائب .. وصاحبته ليست سعيدة ..
ترجمي لي ذلك ، يا منتهى ..!!
– دخيلك ، يا محمود .. اخرجْ بسرعة .. ربما رآك َ أحد .. ولا تنسَ كتابَك َ .. لا تترك شيئا ً يدلّ عليك ..
– كرمى لك ِ ، يا منتهى .. كرمى لك ِ – فقط – سأخرج .. لكن .. هل أساعدك ِ في نشر الغسيل ..؟!
كدتُ أبكي .. بل ، بكيتُ ..
عضَضتُ على أصابعي ، فسالتْ عليها الدموع ..
قبَضَ براحتيه على حجارة السور الرمادية .. وقفز .. سقطَ الكتابُ في الداخل .. أو هو أسقطه .. أم قوّة ٌ خفيّة ٌ فعلتْ ذلك ..؟!
تناولته بسرعة .. رميته خارجا ً .. لا أدري كيف سقط بين راحتيه ..
لوّحَ لي بيده .. بعد أن طبَعَ على أصابعه قبلة ً، أرسلها نحوي ، وابتعَد .. لم أجرؤ أن ألتفتَ حولي ، خوفا ً من أن يكون أحد ٌ قد رآه .. فكّرتُ بعدة احتمالات .. وطمأنتُ نفسي .. حماتي في الحقل .. ابراهيم في صافيتا .. وائل أخذ مصروفه من أخيه ، ونزلَ إلى طرطوس ، قبل أن يتابع إلى بيروت ..
تنفّستُ ملْ رئتيّ ، وأنا أدخل المنزل .. توَهّمْتُ أنني رأيتُ شبحا ً خلف السياج ..
( – أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. بسم الله الرحمن الرحيم ) اطمأنّيتُ – بعد ذكر اسم الله ، أن كل شياطين الأرض قد اختفتْ ..
وعادَ الهدوء ُ ليَعمّ المكان ، والزمان .. ارتاحتْ نفسي قليلا ً .. لكنني تابَعتُ النشيج ..
أنا وحيدة ..
وحيدة ٌ ، أيها الزمان .. غريبة ، في بيتي .. خائفة ٌ ، داخل كل تلك الأسوار .. قلقة .. لا أعرف لماذا .. مقهورة .. أشعر بالظلم .. وأحسّ بالدونيّة ..
أصدقائي ، وإخوتي ، يتابعون دراستهم ، ويحلمون بالنجاح .. أما أنا .. فبماذا أحلم ..؟! وكيف أستطيع العيش بلا حلم ..؟! بلا أفق ..؟!
أشعر بالضياع ..
أين موقعك ِ ، على خارطة الحياة ، أيتها الشقيّة ..؟!
زوجة ..؟!
ويقهقه الزمان ..
أمّ ..؟!
وكيف ..؟!
ربّةُ منزل ..؟!
بل ، حتى لست ِ عَبدة ..
أنت ِ خارجَ الزمان .. يامَن كنت ِ تقبضين عليه بكفّ من سحاب ..
أشعر بالدوار ..
أين المكان ..؟!
أسقط .. ثم أقوم ..
لا أحد في الدار .. حتى أنا ..
أتناول كتاب النصوص ، الذي حفظته غيبا ً.. ثم مجلة العربي ، التي أحضَرَها وائل من طرطوس .. ومجلة المرأة العربية ، التي أعطتني إياها عمتي أمينة .. وكانت قد أحضرتها من الاتحاد النسائي ، عندما كانت تحضر دورة إسعاف أوّلي ..
أرمي نفسي على ذلك السرير الموحِش .. عَلّي أكسر وحشتي ، ووحشته ، بما في داخل هذه الكتب ..
وأستيقظ على صوت حماتي :
– قومي ، يا منتهى .. ( يالله ، يا بَيّي ) .. نمت ِ بدون عشاء ..؟!
******************************************************************
– إلى أين تذهب الحلوة ..؟!
– بسم الله .. ( وتتلاحق أنفاسُها ، وهي تتراجع خطوة إلى الوراء ) .. كانت شاردة ، حين فاجأها ( أبو شاكر ) ، على ذلك الطريق الترابي ، وهو عائد عكس اتجاهها ..
– لماذا خِفت ِ ..؟! أنا لست ُ مُخيفا ً ..
– ماذا تريد مني ..؟! أبعِد عن طريقي ..
– لا أريد شيئا ً .. – فقط – أردت ُ أن أعرف ، ماذا كان يعمل عندك ِ محمود .. أمس .. ؟!!
وتتجمّد في مكانها ..
يا ويلك يا منتهى ..!!
– لا تخافي .. لا تخافي .. لن أخبر أحدا ً ..
تغافله ، وتُسرعُ راكضة ً نحو بيت أهلها .. وصدى قهقهاته الماجنة ، تلطم سمعها ، حتى مسافة بعيدة ..
كقطة ٍ خائفة ٍ ، سرَقتْ قطعة َ لحم ٍ عن أحد الأطباق ، وراحتْ تتنقّل تحت الطاولة ، وتحت السرير ، وبين الأقدام .. متخفية ً عن الأنظار .. هكذا كانت حال منتهى ذلك اليوم .. لكنها لم تتناول في ذلك اليوم لقمة ً واحدة .. رغم إلحاح أهلها .. وإغراء صحن الفاصوليا الحَبّ ، الذي كانت تحبه كثيرا ً ، بين أيدي إخوتها ، عند عودتهم من المدرسة ..
– لماذا أنت ِ شاحِبة ، يا منتهى ..؟!
يزداد خوفها ، وشحوبُها .. لكنها تتصنّع العكس :
– استيقظت ُ لتوّي ..
– صارت الساعة الواحدة ، ولِتوّك ِ استيقظت ِ ..؟! هنيئا ً لك ِ ..!!
– اخرسْ ، يا سليم .. منتهى صارت صاحبة بيت ، وهي حرّة ، تنام ، وتستيقظ متى تشاء ..
( وتغمزها أمها ) :
– تعالي معي يا ابنتي ..
تمسكها من ساعِدها .. فيتحوّل خوفها إلى رعب ، حين تأخذها أمها إلى الغرفة الفارغة ، وتغلق الباب .. لكن أمها كانت سعيدة ، وهي تسألها :
– منذ متى لم تأت ِ ..؟1
– ما هي ..؟!
( وتهمس ) :
– الدورة ..؟! منذ متى قطعتك ِ ..؟! أعني .. كم يوم تأخرتْ عليك ِ ..؟!
( وتبكي .. تبكي بقهر، وارتباك ) ..
– عادي ، يا ابنتي .. عادي .. لا تخجلي ..
– يا أمي .. يا أمي .. ليستْ متأخرة ..
– لكن ، لماذا أنت ِ شاحبة ، ونمت ِ حتى الظهر ..؟!
**************
منتهى مستلقية على الأريكة التي في الدار ، صباح أحد الأيام – كالعادة – عندما تستيقظ متأخرة ، ولا تتناول الإفطار ، إلاّ إذا وجدتْ حماتها أم ابراهيم في البيت ، تنتظرها لتتناول معها كأسا ً من الحليب الساخن ، وربما بيضة ، وبعض التين .. وأحيانا ً بعض حبّات الزيتون ، والشنكليش ..
كانت تشعر بحاجة إضافية للنوم .. رغم أنها نامت باكرا ً .. فاستلقتْ على أريكة الدار ، لحظة ً .. طالتْ ، دون أن تدري ..
سمعتْ – وهي بين اليقظة ، والنوم – حركة ً ، أجفلتها .. نهضتْ .. أصاخت السمع .. تأكدتْ أنها غير واهِمة ..
صَمّمَتْ :
– إن كنت َ أنت َ ، يا محمود ، ثانية ً .. سوف أدخل البيت ، وأقفله بالمفتاح .. وسوف أخبر جدّتي أم ابراهيم بما تفعله ..
طُرق باب الدار ، طَرْقا ً خفيفا ً ..
خافتْ ..
مَنْ سيكون ..؟! بالتأكيد ليس محمودا ً ..
تكرّر الطرْقُ .. وازداد َ عدد الطرقات المُلِحّة ..
تجمّدَتْ ..
– مَن أنت ..؟!!
– أنا .. أبو شاكر .. افتحي بسرعة ..
يا ويلك ، يا منتهى ..!! ليس في الدار من أحد .. ولو صرخت ِ بأعلى صوتك ِ ، مَن سيسمعك ِ ..؟!
البيت بعيد .. والناس ، كل واحد في عمله ..
هدّدَها :
– افتحي بسرعة ، وإلاّ ..؟!
– ليس في الدار أحد ..
– أعرف أنه ليس في الدار أحد .. لكنني أحمل لك ِ هدية ..
كاد يُغمى عليها ..
دخلت البيت على رؤوس أصابعها .. وأقفلتْ كل الأبواب .. ثم أسدلت الستائر .. وتأكدتْ من إغلاق كل النوافذ .. وهي تسمع تهديدات أبو شاكر :
– يا بنت الكلب .. بنت حرام مثلك ِ ستلعب عليّ ..؟!
طمأنها أكثر ، وجود شبك ٍ من الحديد على النوافذ ..
طمرتْ نفسها باللحاف ، وهي ترتجف – كهرّة ٍ في صقيع كانون – ..
*************
رغم كل حلفانهما ، هي ، ومحمود .. أن أبا شاكر يكذب .. وأن محمودا ً، لم يكن يريد بها سوءا ً.. وأنه – فقط – دخل الدار ليطمئنّ على زميلته ، وابنة جيرانهم .. ويسلّيها .. لأنه زعل عليها كثيرا ً ، عندما عرف أنها تبقى أغلب الأوقات بمفردها .. وهم يلعبون مع بعضهم في المدرسة ، وفي الدّوّارة ..
لم يصدّقهما أحد .. مع أن الجميع كانوا يعرفون أبا شاكر .. ويخشون فضائحه .. هو الماجن القذر ، الذي لا يُشرّف أيّ بيت ٍ يدخله ..
ومِمّا زاد في تصديقه ، هرَبُ محمود ، وتركه المدرسة ، في اليوم التالي ، إلى جهة ٍ غير معروفة .. دون أن يستطيع أحد ٌ من أهله أن يُظهِر أسفه عليه .. أو أن يعلمَ أحد ٌ أنهم يبحثون عنه ..
ابراهيم ، لا قاها مناسبة تخدمه .. فازدادتْ قسوته على منتهى .. واستمتعَ بصفة الزوج المخدوع .. الصابر عليها .. حرام .. فهي لا تزال صغيرة .. ولا تعرف مصلحتها ..
حتى حماتها أم ابراهيم ، تغيّرتْ كثيرا ً .. ولم تعُد تجاملها ، أو تُظهِر تعاطفا ً معها .. مع أنها حَكتْ لها الحقيقة كاملة ً ..
أهلها ، حَرَموها من دخول بيتهم .. وبعد رجاء أمها ، التي عرفتْ بعضَ الحقيقة .. ولم تستطع إقناع أبيها بما عرفتْ .. سمَحَ لها أن تأتي إلى بيتهم .. لكن .. عندما يكون هو خارجَه ..
******************************************************************
– أين خالي وائل ..؟!
– خالك ِ وائل ، ليس من السهولة أن تريه بعد الآن ..
كادتْ تقلق ، لولا الابتسامة التي ارتسمتْ على وجه خالها ابراهيم ..
( باستغراب ) :
– ماذا يا خالي ..؟! أين سيكون ..؟!
أصلَحَ ابراهيم جَلسته على الأريكة .. اقتربَ أكثر من ابنة أخته ميسم .. تباطأتْ حَبّات المسبحة في يمينه ..
– عند عروسه ..
– عروسه ..؟! ( تضحك مستغربة ً )
ترفع منتهى رأسها متنبّهة ً .. ثم تخفِضه .. لا تعرف ماذا يدور في هذا البيت ، الذي يُدعى بيتها ..
– يا خالي .. سيخطب عن قريب ..
– هكذا ..؟!
– هكذا يقول .. أخبرني من عدة أيام .. قبل أن يخبر جدتك .. قال خجلان ..
تقفز ميسم معانقة ً خالها ابراهيم ، دون أن يكترثا لوجود منتهى الجالسة قبالتهما ، تحيك كنزات الصوف الصغيرة .. التي لا تُلبِسُ حتى فأرة .. لكنه كان العمل الوحيد الذي كانت تتقنه ..
– مَن هي سعيدة الحظ ، بالله ..؟!
– بنت مدينة .. ليست متعلّمة كثيرا ً .. لكنها حلوة .. حلوة ..
زرتُهم مع خالك وائل .. بطلب منه .. من عدة أيام .. والله ، ناس ممتازون ..
– ألله يسمّعنا الأخبار الطيبة .. لكن خالي يدّعي أنه يحبني كثيرا ً.. لماذا لم يخبرني ..؟!
– أوه .. يا خالي .. زعلت ِ ..؟! لا تزعلي .. كنت ِ في المعهد .. وكان عندك امتحان .. غدا ً – إن شاء الله – تتخرّجين .. وتكون الفرحة ، فرحتين ..
– إن شاء الله ..
يلتفتْ إلى منتهى :
– لماذا لم تعملي لنا شايا ً ..؟!
– لا .. لا يا خالي .. إنني مستعجلة ..
– لاوحياتك.. لا يجوز.. سنشرب الشاي .. أما الغداء ، فلا أنصحك ِ .. لأنّ ( السّتّ ) حَرَقت المعكرونة..
تشابَكتْ خيطان الصوف حول قدميّ منتهى ..
وَبّخها ابراهيم :
– ارم ِِ هذه السخافة من يدك ِ ..
– لماذا ..؟! أنتم تتسلّون مع بعضكم .. وأنا أسلّي نفسي ..
تبتسم ميسم – ساخرة ً – من منتهى .. التي كانت تفوقها جمالا ً ، وجاذبيّة ً ..
فارَ الإبريق على البوتوغاز، ذي الثلاثة رؤوس .. شتمَتْ نفسها .. كادت تبكي .. هي تكره تنظيف الغاز ..
استعجَلَها ابراهيم :
– لماذا لم تُحْضِري كأسا ً ثالثة ..؟!
– لا أريد ..
صَبّتْ ميسم كأسا ً لخالها .. وأخرى لها .. دون أن تُنزِل ساقها اليمنى عن اليسرى ..
تتقزّز .. لتُلفِتَ نظَرَ خالها ..
– ماذا ..؟! لم تعجبك ِ ، أكيد ..!!
– ينقصها سكّر ..
– هاتي السكّر ..
***************************************************************
– ألله يخلّي أولادك ، يا بنت عمّي .. خذي لي هذه البنت معكِ إلى دمشق .. واعرضيها على دكتورة ..
– يا ابن عمي ، والله على عيني .. ابنتك ، مثل ابنتي .. لكن .. لماذا العجلة ..؟! لا تزال صغيرة على الحَمل ..
– لا ترفعي صوتك ِ ، لو سمحت ِ .. سنقول لزوجها أنك ِ ستأخذينها لتغيّر الجوّ .. فربما تتحسّن نفسيّتها قليلا ً..
لم تتردّد منتهى في الذهاب مع قريبتهم ، وعائلتها إلى دمشق.. وهل هي مجنونة ، حتى ترفض دعوة كهذه..؟!
بعمرها ما داسَتْ طرطوس ، إلا مرّتين .. وقد أحَبّت المدن لأنها صاخبة .. وهي تُشعِر الإنسان بالحياة ..
سألتها الدكتورة عن عمرها ، وعن زوجها ، وعمره ، وعمله .. وكم سنة مضتْ على زواجها ..
أخفَتْ رأسَها براحتيها – وهي تفحصها – .. وارتفع َ صوت ُ نحيبها ، رغم أن الدكتورة كانت لطيفة معها أكثر من أية مريضة أخرى ..
– انزلي يا ابنتي .. ونادي أمك ِ ..
– ليست أمي .. هي قريبة أبي ..
رَبَتتْ على كتفها ، ومسحتْ شعرها .. ناولتها منديلا ً ورقيا ً ..
– لا تخافي .. ليس بك ِ شيء .. نادي لها ..
دخلتْ أم يامن :
– خير ، يا دكتورة ..؟!
– قلت ِ لي ، كم سنة مَضَتْ على زواجها ..؟!
– سنتان ، تقريبا ً ..
– حرام عليكم .. لا تزال عذراء .. !

******************************************************************

( ويلك ، يا أبو محمد .. ويلك ..)
ظلّتْ هذه العبارة تتردّد على فم أبيها .. حتى وفاته ..
بعدما أخبرته أم يامن بالحقيقة .. أرسلَ ، يطلب من( صهره ) ابراهيم ، الحضور إلى عنده ، بأقصى سرعة ..
كان – للتوّ – قادما ً من صافيتا .. ظنّ أنّ ( عمّه ) أبا محمد ، يريد أن يبرّر له غياب منتهى .. ويطلب منه أن يطوّل باله عليها – كالعادة – ..
لكن صوت أبي محمد ، كاد أن يثقب سمع َ زوجته وأبنائه ، الذين تساءلوا :
– ماذا يجري ، يا أمي ..؟! لماذا يصرخ أبي بزوج منتهى ..؟!
– اخرسوا .. لا توقِظوها .. لم نصدّق أنها نامتْ .. مادخلكم أنتم ..؟!
خرَجَ ابراهيم من بيت كامل ، محاولا ً أن يتخفى عن الأنظار .. رغم أن عتمة الليل كانت كافية .. ولم يرجع إلى عين براعم ، إلاّ ميتا ً بالتسمّم الكحولي ..
حيث قال زملاؤه ، أنه ظلّ يشرب ، ويسبّ منتهى ، وأبيها .. ويشتم كل نساء العالم .. ثم يبكي .. ويعود ، يصِفُ مفاتنها .. وكيف أنه لم يرَ – حتى في البرازيل – أجمل منها .. وأنها تشبه ( كارولين ) .. ويزداد شربه ونحيبه ، حين يذكر ( كارولين ) ابنته .. كما أخبرهم – مؤخرا ً – ( الشيخ حسين ) القادم حديثا ً من البرازيل .. والذي استغربَ كيف لإنسان مثل ( كامل ) أن يزوّجَ ابنته من ذلك الشخص ، الذي طردته زوجته الأجنبية من بيتها .. لأنها لم تعُد تطيق مجونه ..!!!
******************************************************************
كانت ( أمينة ) تبذر الحنطة ، خلف أخيها ( كامل ) في ( الحاكورة ) حيث أيقظته مع الفجر .. رغم أن ( أم محمد ) كانت قد أخبرتها أنه لم ينمْ إلاّ من حوالي ساعة .. – كعادته – من يوم طلاق منتهى ..
كان ( يُرَمّي ) .. فاقتربتْ العجلة ( غندورة ) الحديثة العهد بالفلاحة .. اقتربَتْ أكثر من اللازم من ( الترماية ) عندما ضرَبَها بالعصى الطويلة ، التي يستخدمها ليهشّ بها على دوابه أثناء الحراثة ، كي يستقيم الثلْمُ قدر الإمكان .. فسقطَ بهم ( الرّعْش ) هو ودوابه ، و ( الصّمد ) ..
صرَختْ أمينة بأعلى صوتها :
– دخيلكم يا ناس .. أخي .. !!!
اجتمعَ الكثير من أهل عين براعم ، في ذلك الفجر الدامي .. ليحملوا أبا محمد .. الذي كان رأسُه ينزف بغزارة .. حيث سقطتْ فوقه حجرٌ كبيرة .. وكان لا يزال يقبض على مَسكة ( الصّمْد ) عندما لفظ َ أنفاسَه ..
وتعالى تكبير الرجال .. وصراخ النساء ..
وانتبهَ أحدُهم إلى الدواب .. حيث سمع شخيرَها .. أن الحَبل كاد أن يخنقها .. فأفلتَها .. وسارَ مع المكبّرين ، والنادبات ……
لم يستطعْ أحدٌ أن يُفلت َ رأسَ أخيها الدامي من بين يديها ، ومن حضنها ، بسهولة .. حيث لم تترك ( أمينة ) حادثة مهمّة جرتْ معها ، ومع أخيها ( كامل ) طوال سنيّ الشقاء ، إلاّ وحدّثته بها ، وهي تندبه :
– لِمَن تتركني ، يا كامل ..؟!
لمن تتركوني ، يا أخي ..؟!
مَن لي بعدكم ..؟!
ابراهيم ، راح .. وأنت َ ذاهب ..
مانفع ُ حياتي بعدكم ..؟!
لماذا أعيش ، بعد الآن ..؟! لماذا ..؟! لماذا ..؟!
عندما كانوا يقولون لي ، أنه تزوّج َ في البرازيل ، لم أصدّق ..
كذب .. والله كذب ..
هو قال لي ، أحبك ِ ..
هو قال لي ، انطريني .. وعندما أعود ، سأعمل لك ِ أحلى عرس ، يا أمينة ..
كلّكم ظلمتموني ، يا أخي .. لكن .. ألله يسامحكم .. ألله يسامحكم .. سأظلّ أحبكم ، حتى بعد موتي ..
يا ويلي ، بَعدك َ ، يا أخي .. !!
الحقّ عليّ أنا .. عليّ أنا ..
فقد رأيت ُ ( الترماية ) متشقّقة ، من يوم ذلك المطر الغزير ..
ولم أقلْ لك َ ..
كان واضحا ً أنها ستسقط .. لكنني غبيّة .. غبيّة .. سامحني يا أخي .. سامحني يا كامل ..
( تحضنها امرأتان من الجيران .. من تحت إبطيها .. وهي كالخرقة .. تُخرجانها خارج الغرفة التي يرقد فيها جثمان أخيها ( كامل ) .. وهي ، لا حَوْلَ لها ، ولا قوّة ..
( منتهى ) تتصرصَر :
– البَرديّة ، يا أمي .. البَرديّة ، دخيلك ..
جارة ، تهمس في أذن أخرى :
– استغرَبنا ، يا أختي ، لماذا كانت تبكي كل ذلك البكاء على ابراهيم ..
يا ألله .. كم كنا أغبياء ..!!
نهَرَتها الأخرى :
– ليس وقتها الآن .. اسكتي .. كنا عارفين .. ألله يسترنا .. وبَسّ ..
**************************************************************
كانت أم سليمان قد زوّجَتْ كل بناتها ، في قرى بعيدة عن عين براعم .. من شباب خلوقين .. ممّن كانوا يتردّدون على زيارة ( الشيخ عبد الله ) يتبرّكون من أفكاره النيّرة .. ويتعلّمون الكثير من أسلوبه في الحياة .. الذي يمكن أن نطلق عليه صفة ( العصاميّ ) ..
كان زوجها ، المرحوم ( الشيخ عبد الله شاهين ) .. شيخا ً وَرِعا ً ، و محترما ً من كل من يعرفه في قريته ( عين براعم ) أو في قرى المنطقة الأخرى ..
كان – عند توزيع الزكاة – في الأعياد ، والمناسبات .. لا يقبل أن يأخذ قرشا ً واحدا ً .. رغم حاجته الملحّة .. ويقول :
– يوجد ناس كثيرون ، أكثر حاجة ً مني ..
أنا – الحمد لله – بصحّتي .. وأقدر أن أطعِم َ أبنائي ..
كان فلاحا ً نشيطا ً .. وكان حادّ الطباع ..
وعندما مرض .. واستعصى شفاؤه ، وشعر بدنوّ أجَله .. طالبَ بابنه البكر ( سلمان ) وأبلغه برغبته أن يفرح به .. ويطمئنّ عليه ، قبل رحيله الأبديّ .. وأشار َ له برغبته أن يخطبَ ابنة عمه ( كاملة ) ..
كان سلمان في السابعة عشرة .. لا يزال يدرس المرحلة الثانوية ..
أما كاملة ، فكانت قد خرجتْ من المدرسة ، بعد أن أنهتْ المرحلة الابتدائية ..
لم تكن أصغر منه بكثير ..
وافق َ عمه .. كما وافقتْ كاملة ، والعائلة كلها .. وأسرعوا بالخطبة .. نزولا ً عند رغبة الشيخ المُحتضَر ..
أحَبّها ، وأحبته كثيرا ً .. صار يهرب من المدرسة .. وأحيانا ً من البيت .. ليلتقي بها .. وهي تحصُد .. أو تتبّن .. أو تقطف الدّخان ..
ومرة ً ، لاقاها حاملة حَملة حطب على رأسها ، وطالعة من الوادي ..
طارتْ من الفرح ، عندما رأته .. ولم تكن تتوقّع .. لم تكن تعرف أنه سمع أمها – مساء أمس – تطلب منها أن تذهب إلى ( شكارة الترك ) لتحضِر حملة حطب ..
ساعَدها في وضع الحملة على حافة ( الرّعْش ) .. وجلسا قرب بعضهما :
– مشتاق لك ِ كثيرا ً ، يا كاملة ..
احمَرّ وجهها أكثر .. مسحتْ عرقها :
– وأنا أكثر ..
وراحا ينسجان معا ً شكلَ حياتهما المقبلة .. وكيف سيتشاركان في بناء عشّ الزوجيّة :
– مثل هذه العصافير ..
– وأحلى .. وأحلى ..
كان سلمان متحمّسا ً أكثر من كاملة .. وكانت أمه أيضا ً تتمنى الإسراع بإتمام مراسم الزواج .. عساهما يملآن عليها بعضا ً من الفراغ الذي خلّفه رحيل والده الشيخ ..
وفي جَلسة جادّة ، وحاسمة ، بين العائلتين ، لتحديد موعد الزواج .. اختلفَ العمّ وزوجته مع أم سلمان ، على أمور عِدّة .. من ضِمنها ، المهر .. وكيفيّة قِسمة الأراضي .. إلى آخر هذه الأمور ، وما يشبهها ..
وما يهمّنا معرفته ، أن الخلافات انتهتْ بإنهاء هذه العلاقة .. التي ادّعَتْ أم العروس ، أنها لم تكن موافقة عليها من الأساس .. وأضاف زوجها ، أن كاملة لا تزال صغيرة ، وألف من يتمناها ، ويقدر أن يعيّشها أحسن من ابن أخيه ، المرحوم ..
لم تنفع دموع كاملة .. ولا زيارات سلمان المتكرّرة .. واعِدا ً عمّه أنه سيترك المدرسة ، ويذهب إلى طرطوس ، ليدبّر عملا ً ، يستطيع أن يؤمّن لكاملة ، عيشة هنيّة ..
وفي مساء أحد الأيام ، سمعتْ أم سلمان ابنها يكلّم أحدهم – هَمسا ً – في ( التلزيقة ) تحت البيت ..
اقتربتْ – بهدوء – لتسمع بوضوح أكثر ..
شهَقتْ :
– يا أولاد الحرام .. ماذا تقولون ..؟!
طارتْ كاملة نحو بيتها مرعوبة ، لا هثة .. لكن سلمان – بعد أن أجفل قليلا ً – صَعَدَ الحافة ، وقال لأمه – بهدوء – واضعا ً كفيه على خصره ، متحدّيا ً :
– سأخطفها .. ما شأنكم ..؟!
لفلفتْ أم سلمان الموضوع .. حفاظا ً على سمعة العائلة .. بعد أن أفلحَتْ بإقناع ابنها أن يَعدلَ عن الفكرة .. وأنه عندما يكمل تعليمه ، ويتوظف .. ستتسابق عليه أحسن بنات العالم .. واستعطفته ، إن فعل .. سيعرّضها لشماتة ( هالكهينة ) زوجة عمه ..
طوى انكسار أحلامه في الأعماق .. وتابَع َ دراسته ، التي كان قد تأخر فيها كثيرا ً – بهِمّة ٍ أعلى – وكانت تستنفره استفزازات زوجة عمه ، وأحاديثها أمام الناس .. أن ابنتها هي التي تركته .. وأن أمه معقّدة ، وصعبة العِشرة .. خصوصا ً بعد ترمّلها ..
كان يَعِدُ أمه – عندما يراها تبكي – مترفّعة ً عن أن تردّ على ادّعاءات سلفتها المهينة .. أنه سينجح ، ويتفوّق .. وسيتزوج ، ويسكن معها ، هو وعروسه .. التي ستحبّها بالتأكيد .. وسيعوّضها عن معاناتها .. وليذهب عمه ، وزوجته الفاجرة ، إلى الجحيم ..
*****************************************************************
– ألله يصبّحك بالخير ، يا أم محمد ..
– ألله يسعد صباحك .. تفضّلي ، يا أم سلمان ..
تناوَلَتْ منها سطل الحليب النحاسيّ .. وناوَلتها كميّة ً من البيض :
– والله ، خجلانة منك ِ ، يا أم سلمان .. وحياتك ، اليوم ، ما باضوا إلاّ هذه الخمس .. ولم أترك إلاّ ( المودعة ) ..
– وَلَوْ ..!! أزعل منك ِ ، يا أختي أم محمد .. دائما ً الدجاج يقلّ بيضُه في تشرين .. أين المشكلة ..؟!
– جاء موظّفو الزراعة ، ألله يكثر خيركم ، وخيرهم .. لقّحوا لنا إياهم .. لا أدري .. هل هذا هو السبب ..؟!
– ليس بالضرورة ..
– غدا ً .. أو بعده .. هَهْ .. بقرتي ستلِد ..
– تكون بقرتنا نزلتْ بالفلاحة .. ويقلّ حليبها .. الحمد لله .. لا ننقطع ..
– إن شاء الله ، تخلّف بالسلامة .. والله ، إنني خائفة عليها .. البَرَكة ، حملها ثقيل .. تلقيح صناعي ..
– وإن كان ..؟!
– ألا تذكرين ..؟! بقرة جيراننا ، العام الماضي ماتتْ ، دون أن يستطيعوا فِعل أيّ شيء من أجل إنقاذها .. حتى الطبيب البيطري ..
– فأل الله ، ولا فألك .. ليس كل البقر مثل بعضه .. هذه صدفة .. كبرَ العِجل في بطنها كثيرا ً .. ولم يُحضِروا لها الطبيب البيطري ، إلاّ بعد فوات الأوان ..
– ما لهم نصيب .. ألله يسترنا ..
– نحن ، يا أختي ، بقرتنا هولندية .. البَرَكة .. غزيرة الحليب .. لكن ، ماشاء الله – حاشاه – تأكل أكثر من كل دوابّنا ..
– مثلما يقولون .. ( أطعِموا الدّابّة .. تعطيكم ) ..
– ألم تستيقظ منتهى ، بعد ..؟!
– آخ .. يا أختي .. لا والله .. تأخذ الدواء ، وتنام .. وقلبي لا يطاوعني أن أوقِظها .. ألله يعينها ، ويعيننا .. مذنبون .. ماذا نعمل ..؟! هذا حظها ، وحظنا ..
– إن شاء الله ، يا أم محمد .. سيتحسّن حظها ..
– كيف ..؟! يا ويلي عليها ، وعلى حظها ..
– إبني .. الأستاذ سلمان ، سيخطبها ..
– ويلي أنا ..!! كيف سيخطبها ، وهي على هذه الحال ..؟!
– لا تظني أنني أنا التي قلتُ له .. وحياتك – فقط – كان يفكر أن يخطب ويتزوج ، قبل أن يذهب إلى الجيش .. وصرنا نفكر معه ، بابنة الحلال المناسبة .. وهو الذي قال : منتهى ، بنت جيراننا ..
– والله ، ألله يقدّم ماهو خير ..
– آمين .. فربما تحسّنتْ صحتها بعد ذلك .. يقولون ، إن الزواج دواء لمن يعاني من هذه الحالة ..
– والله ، نحن ، وحظنا .. أحيانا ً يفيد ، وأحيانا ً يضرّ ..
– صحيح .. !! ما أخبار ابنة عمك أمينة ..؟! هل هي سعيدة مع ذلك العجوز ..؟!
– والله يا أختي ، مليحة الحمد لله .. أرضهم سهليّة .. ويشقون كثيرا ً .. لكن زوجها لا يطلب منها شيئا ً من هذا .. فهم يضعون شغّيلة .. رزقهم – البَرَكة – كثير .. لاينتهي موسم الفستق ، حتى يأتي موسم الذرة ، والبندورة ، والخيار ..
– ألم تحبَل ..؟!
– من أين ، يا حرام ..؟! زوجها ختيار .. وعنده – البَرَكة – عشرة أبناء .. وهي قاربَت الأربعين .. والأولاد ، ماهم رزقة .. أولاد ضرّتها مثل أولادها .. وهم يحبونها كثيرا ً ..
– طبعا ً يحبونها ..
مثل الخدّامة لهم .. فلِمَ لا يحبّونها ..؟!
– لا والله .. يقولون أنه لايطلب منها أيّ عمل ، إلاّ أن تبقى عند زوجته العجوز المشلولة .. وفقط ، تعتني بها .. لأنه لا يستطيع ترك أعماله ، والتفرّغ لها ..
– ألله سَترَها ، بعدما كبرتْ .. والله أمينة تستاهل .. كل عمرها بنت أصل ..
– ولا من فمها ، ولا من كمّها ..
وزوجها ، ألله يستر آخرته ، كريم .. ودائما ً يُحضِر لنا ( فلّينات ) خضرة .. ويقول : هذا من أمينة ، إلى أولاد أخيها اليتامى .. ألله يكثر خيره ..
– ألله لا يتخلّى عن عبيده .. حاشا كرَمه ..
*****************************************************************
كان وضع منتهى ، يؤثّر كثيرا ً في نفسيّة سلمان ..
لم تكن بينهما أية قرابة .. كانت الجيرة تجمعهما ، بالإضافة إلى اليتم ..
أراد أن يعوّضها عن سنيّ العذاب .. ووعدها ليلة الخطوبة ، أن يُنسيها ما مضى .. وأنه سيساعدها على إتمام دراستها .. وسيطلب من زملائه المدرّسين أن يعطوها دروسا ً خاصّة في البيت .. ومن جهته ، سيتكفّل بمادة العربي ..
– كل عمرك شاطرة بالمدرسة ، يا منتهى ..
– كنت ، قبل أن أمرض ..
– أنت ِ لست ِ مريضة .. كلّه دَلع ..
ويُفلِح بإضحاكها ..
لكنه ، بعد الزواج بعدة أشهر .. طُلِبَ إلى الجيش ..
بكى – حينها – أكثر مما بكتْ منتهى ..
– دائما ً حظي هكذا ..
– لا تقولي هذا يا منتهى .. فربما جاءت خِدمتي قريبة ..
لكنه خدَمَ كل مدة خِدمته ، على الجبهة .. قريبا ً من درعا .. أو ، في جبل الشيخ .. وأخيرا ً في لبنان ..
وكان اختصاصُه ( حرب إلكترونيّة ) ..
لم تسمع منتهى بهذا الاختصاص ، من قبل .. لكن كلمة ( إلكترونية ) أرعَبَتها .. حرب .. و .. إلكترونية ..!!
شعرتْ أنها ضعيفة ، أمام هذا الواقع ، الذي لم تكن تحسب له حسابا ً .. فازدادتْ مراجعاتها للأطباء .. الذين لم تنقطع عن زيارتهم من قبل ..
كانت – كلما جاء سلمان إجازة – تودّعه منتحبة .. كأنها لن تراه بعدها .. فتنتقل إليه العدوى .. تعانقه .. وتتعلّق به :
– لا تتركني ، يا سلمان .. لا أستطيع العيش بدونك ..
يشدّ جسدها النحيل إلى صدره .. ويمسح دموعها :
– لا تخافي .. لا تحسبي كم بقي لأتسرّح .. احسبي كم ذهَبَ ..
ماذا أحضِر لك ِ في الإجازة القادمة ..؟!
– أنت ..
– وماذا ..؟!
– أحضِر لي شوكولا ..
تبقى على ذكرى هذه اللقاءات الحارّة ، حتى يعود ..
كانت ترقص فرحا ً ، إذا جاءتها منه رسالة ، مع أحد القادمين إجازات قبله ..
كم قبّلت الرسائل ..!!
كم سالت دموعها فوق كلمة ( الحبيبة منتهى ) .. مع أنها كانت تتمنى أن يكتب لها ( حبيبتي منتهى ) ..
******************************************************************
– الحمد لله .. صرت أستطيع المجيء أكثر .. لبنان قريبة ..
– ما هذا الفستان ..؟!
– رأيته في واجهة محلّ في بيروت .. أعجبني .. ولأنني أحبّ الأحمر عليك ِ ..
– شكرا ً .. والله حلو جدا ً .. لكنني لا أريد غيرك ..
تدخل أم سلمان :
– ألله يديم جلابَك ، يا بني .. ويبعث لك حياة الذكر ..
( وتضيف – مازحة ً – ) :
– فستاني أنا ، عندما أخيطه ، سيعيدني صَبيّة ..
يردّ سلمان :
– إن شاء الله ، تقطّعونهم بعرق العافية ..
– لكن .. المرة القادمة ، لا تنسَ نفسك ..
– لستُ بحاجة .. ثياب الجيش تكفيني .. وعندما أتسرّح ، يفرجها الله ..
**************
مرة ً .. مازحَه زميله :
– والله يا أخي .. من يراك تأتي أربع وعشرين ساعة إلى عند زوجتك ، يطن أنك عريس جديد .. ولا يمكن أن يتصوّر أنك َ متزوّج من سنتين ..
تضحك منتهى .. ويضحك سلمان ، ناظرا ً في عينيها .. سعيدا ً لأنه رآها تضحك ..
**************
لكن إشفاق سلمان على منتهى .. وحرصه الشديد على إسعادها .. وخوفه الزائد عليها .. كان يزيد من تعلّقها به ، وإحساسها بالأمان معه وحده .. كما يزيدها قلقا ً عليه ، وخوفا ً من أن يحدث له أي مكروه .. ولا تستطيع أن تفكر بعد هذا بأي شيء .. لأن حياتها خاوية .. إلا من بعض اللحظات المسروقة من فم الحرب في لبنان .. والتي لا يُعرَف أولها من آخرها .. والتي ساقه القدَرُ إلى دوّامتها .. حيث كانت منتهى تظن أن الكل يقتل الكل ّ .. دون تمييز بين ظالم ومظلوم .. خصوصا ً عندما كانت تسمع أن القتل أصبح على الهويّة ..
لو أنه في الجبهة .. في القنيطرة – مثلا ً – على حدود الجولان ، أو فلسطين .. ربما تواسي نفسها ، إن حدث له مكروه – لا سمح الله – أنه شهيد .. لكن ماكان يضاعف قلقها من هذه الناحية ، أنه إن قُتِلَ في لبنان ، فلن يُعرَفَ قاتله .. وإن قَتَلَ .. فربما يقتل – دون أن يدري – بريئا ً.. أو مُغَرّرا ً به ..
كل هذه الأمور ، كانت تضاعف من قلق منتهى ، وتزيد من كآبتها .. ولا مَخرج لها إلا الأطباء ، والأدوية .. حتى صاروا عالمها الأوسع ..
صار حديثها – غالبا ً – :
– قال لي الطبيب الفلاني ..
أو : – قال الدكتور بالراديو ..
أو : – قرأتُ في مجلة طبية ، كذا ..
كان تعلّقها بالأطباء والأدوية ، مَهْرَبا ً لها من واقع لم تكن مهيّأة لمجابهته مواجَهَة ً .. مجابهته هاربة ً ..
كمَن يُدمن الخمر .. أو الجنس .. أو أية لذّة ، يريدها مَهْرَبا ً من واقعه الذي أصبح لا يُطاق ..
هذه الدائرة المفرغة ، كانت تُحبطها أيضا ً ..
أين أحلامها ..؟!
أين طموحها ..؟!
أين أفقها ، الذي كانت ترسمه بأحلام اليقظة ، مُشرقا ً .. فاعِلا ً .. مضيئا ً .. مُقمِرا ً .. مُشمِسا ً ..؟!
أين ذهب كل ذلك ..؟!
مَن أدخلها في تلك الدوّامة ..؟!
وما دورُها في ذلك ..؟!
ماذنب سلمان ، الذي يعاني معها ..؟!
كل تلك الأسئلة ، كانت تُسَرّع الدوران .. فتسقط منتهى ..
زوجُها مُشتّت .. لا يعرف مَن أحَق باهتمامه .. زوجته المريضة ..؟! أم ، أمه الأرملة .. التي ( تحلف بحياته .. وتنام بلا عشاء ) ..؟! أم ، بواجبه تجاه وطنه المُستباح ..؟! أم ، بمستقبله .. بعد أن ينهي خدمة العلم ..؟!
ويزداد الضغط على أعصابه .. وعندما تراه منتهى ، في الإجازات .. يأتي مُغبِرَ الوجه .. قلقا ً .. باكيا ً أحيانا ً .. كانت تقبّله .. تقبّله .. ولا تشبع ..
وتبكي .. ويبكي ..
هو يزداد قلقا ً ، واضطرابا ً ، حين يراها ضعيفة .. وهي تشعر كأنّ زلزالا ً يزعزع استقرارها .. وأن الكون كلّه يهتز .. حتى الأرض ، لا تشعر أنها ثابتة .. فتُطلِق صرخة ً من الأعماق .. وتظن نفسها أصبحت خارج هذا العالم .. لا تعرف إن كان ذلك هو الموت ، أم أنه شيء آخر مُرعِب ..
ولم تكن هذه الحالة – كما قال لها الأطباء – وكما تأكّدت هي ، مؤخرا ً ، إلا نوعا ً من التفريغ اللاشعوريّ ..
كالبالون ، عندما يُنفخ فيه أكثر من طاقته على الاحتمال .. أو ، كالبركان عندما تضيق به الأرضُ ..فيفرّغ بعضا ً من ضغطه الزائد فوقها ..
وكانت تظن أنهم يجاملونها لأنها ضعيفة .. وكان عجز الأطباء عن إشعارها بالطمأنينة الكافية .. وكذلك عجز زوجها – رغم محاولاتهم الدائبة – أن يحققوا لها شرط العيش الأهمّ ، وهو ، الشعور بالأمان .. يخيفها إلى أقصى الحدود .. حتى اضطرّتْ – مرة – أن تصرخ :
– أين الله..؟!
وكم شعرتْ بالسلام يغمر نفسها ، بعد هذه الصرخة الصادقة ..!! بعد هذا التعبير الصادق عن حاجتها الحقيقية لقدرة ٍ تفوقُ قدرة َ مَن يشاركون في صنع مصيرها .. للتغيير نحو الأفضل ..!!
شعرتْ أن الله يقول لها : أنا موجود .. موجود دائما ً .. لكن ، لمن يعرفني ..
أنا السلام .. أنا الحق .. أنا العادل .. أنا الرحمن الرحيم ..
بكتْ – حينها – وللمرة الأولى منذ سنين – بكتْ براحة ، وسعادة ، وبما يشبه الطمأنينة .. التي عجزتْ كل عقاقير الأرض أن تمنحها إياها ..
صارتْ تحبّ الله .. بعد أن كان خوفها منه يزيد تأزّمها ..
صارت تحبه .. لأن ذكره – سبحانه – يمنحها الطمأنينة ، والسلام ..
وكلما ضاقت بها الدنيا ، صارت تصيح من الداخل ، وإلى الداخل :
– يا ألله ..
فيمنحُها شعورها بأنه قريبٌ ، مُجيب .. الطمأنينة َ ، بأن الفرَج قريب ..
تحَسّنت حالها كثيرا ً .. لكنها لم تُشفَ تماما ً ..
إذا ً .. بقي شيءٌ مهمّ ، يا منتهى ..
ماهو ..؟!!
ابحثي عن سبيل الخلاص بنفسك .. وإن لم تستطيعي .. استعيني بالأحبة المخلصين ..
كل الناس بحاجة للمساعدة .. لا أحد يستطيع العيش بدون الاعتماد بشكل ٍ ، أو بآخر ، على الذين يثق بهم .. دون مِنّة .. لأن الحاجة عامّة .. وليستْ مقتصرة على الضعفاء فقط .. لكن الحاجة إلى اللئام ، هي وحدها المُذِلّة .. فادعي في صلاتك ِ ، ألاّ تحتاجيها .. وألاّ يحتاجها إنسانٌ شريف ..
فهذا مؤلِمٌ جدا ً ..
وكم احتجت ِ – سابقا ً – إلى ذلك ، يا منتهى …….!!!!
******************************************************************
– يا ليلى .. يكفي كلام فارغ .. قومي ، اذهبي إلى أختك ، وانظري ماذا تحتاج ..!
– وماذا نقول ..؟! أقول : منتهى أختي ، وأعرفها .. ليس بها شيء إلا الدلال .. والله ، صهري الأستاذ سلمان ، أحسن من كل رجال الأرض ..
– بدَل أن تكوني قربها ياليلى ، تكونين مع الزمن عليها ..؟!
– وماذا أعمل لها ..؟! وإن أرسلتُ أولادك إلى عندها ، سيتعقّدون من تصرفاتها ..
– لا أستطيع أن أصدّق أنك ِ ليلى التي كنت أعرفها ..
– افعلْ مثلما كان المرحوم أبي يفعل .. ظلّ يقول : ليس عندي أحسن من منتهى .. حتى كانت هي السبب في موته .. ألله يرحمك يا أبي ..
**************************************************************
{ تعال َ ..
واجلس هنا .. يبكي كلّ منا على أهله ..
تعالَ ..
العمر قطارٌ سريعٌ ، لا ينتظر ..
تعالَ ..
دفءُ صوتك َ وطني ..
دموعُكَ ، هويّتي الضائعة ..
اجلسْ هنا ..
غنّ ِ ..
اصرخْ ، ملءَ فؤادك َآلاما ً ، وآمالا ً ضائعة ..
اصرخْ ، ملءَ روحك َ قهرا ً ..
فالوادي العميق على مرمى أصواتنا .. والنهرُ في أسفله ..
فرّغْ كلّ شحنات الغضب ِ ، والحبّ ، والقهر ، والحنين .. إلى كلّ شيء دافئ ، وجميل ..
فرّغه من عمق كيانك ..
وستكتشف أنّ الصدأ لم يُتلِف مفاصلَ الألم الدفين .. هناك َ .. في نسيج الفؤاد ..
لأنك َ تطرّيها دائما ً بدمائكَ اللاهبة .. ودموعك َ الحارقة ..
اصرخْ ..
فالبحرُ على مرمى نظرنا ، يلوّحُ للعابرين ..
البحرُ ينتظر ..
والقهرُ يَعبُر ..
ويتلاطمُ الموجُ .. تصطخبُ الرؤى .. تمتقعُ السماءُ .. تشرقُ الشمسُ .. تغربُ .. يجهًدُ العامِلُ .. الفلاحُ .. المقاتلُ .. الشريدُ .. العاشقُ .. المكلومُ .. المُحِبُّ .. المتلهّفُ ..
كلّ مَن له حاجة ، يصرخُ بالأوف ، من أعلى جبالنا .. حاضنة مواجع ِ كلّ هذا ، وذاك ..
بترابها الطهور .. وربيعها الدائم .. حتى في عِزّ أيلول الحزين ..
البحرُ ينتظر ، أيها الغالي ..
لا تخيّبْ ساعديه .. لا تجرحْ فؤاده ..
تعالَ ..
اجلسْ هنا ..
فالشمسُ تكاد تغرب .. وتستقرّ في أحضان حبيبها .. تقضي معه ليلة ً بيضاء َ، نقيّة .. ليلة َ حبّ ٍ ، خصبة .. فتستعيدُ قدرتها على الضياء .. وتعتلي السماء ، تنشرُ أشعة َ روحها المُخَصّبة بالحبّ ، والدفء، والحنان ، والطهر .. توزعها على الكون ، والناس ..
تعالَ ..
فأنا وحدي ..
هنا .. قربَ قِمّة الجبَل المُشرف على قريتي الحبيبة.. وعلى النهر، والبحر .. وعلى جبل عكّار ..على الدنيا كلّها ..
دموعي ، تكاد تهطل من عيوني .. كنبع ٍ نقيّ ، في جبَل ٍ بِكر ..
روحي مَشوقة ..
بربّك َ .. ألا تفكّر بي الآن ، في هذه اللحظة ..؟!
أحبك َ ..
لا تنسَ ذلك – أبدا ً – ..
أيها الرمز المُغلّفُ بالضباب ِ الشفيف ..
أشعرُ أنني طفلة ٌ متمرّدة .. حزينة .. حُرّة .. واثقة بمبادئها السامية ..
لا تظلم .. لا تطغى .. لا تأخذ حقّ غيرها .. لا تقتاتُ إلاّ بالحلال ..
قويّة ٌ بمبادئها .. حزينة ٌ بغربتها .. قصيّة ٌ ، بأحلامها .. دافئة ٌ ، بحبها .. حنونة ٌ ، إلى أبعَدَ من البحار ..
رقيقة ٌ ، كنسمة .. شفافة ٌ ، كالحقيقة .. شغوفة ٌ ، كعاشقة ..
طفلة ٌ بريئة ٌ .. لا تشيخُ أبدا ً .. حتى في أبعَدَ من الثمانين بدهر ..
يُسعِدني شعورٌ صادقٌ ، أنني لا أزال – وقد تجاوزتُ الخامسة والثلاثين – قادرة ً على الحبّ ، بمعناه الأسمى .. بنفس الزخم الذي كنتُ عليه قبل العشرين .. لكن ، بشكل أنضَج .. وربما ، بشكل ٍ عاصِف .. روحانيّ ، أكثر ، وأكثر ..
هل نُخلَقُ ، وتُخلَقُ معنا عاطفة الحبّ ، القادرة ُ على مَرّ الزمن ، على النموّ ، والسموّ ، والاستمرار.. تقوى ، وتنضج ، كلما أبحَرنا نحو الحقيقة .. في بحار الحياة الواسعة المدى ، والرؤى ..؟!
أم أنها نِعمة ٌ خاصّة ٌ بمَن يستحقّها ، فقط ..؟!
يكافحُ من أجلها .. ويرى الخلاصَ من خلالها ، فقط ..
فيدفعُ في سبيلها كلّ شيئ .. كلّ شيئ .. على الإطلاق ..
فتكون من نصيبه ..؟! }
زينب ..
السور الأخضر
2004
*****************************************************************
{ منتهى ، في مأزق .. ووضعي الخاصّ ، ليس أحسن منها .. ووضع وطني ، في فم الغول ..
فلسطينُ تُذبَح .. ويُحشَرُ أهلُها في زاوية ٍ ضيقة .. مقدّمة ً للقضاء ِ عليهم .. أو ، على مَن تبقّى منهم ، بسهولة ..
أو ، نفيهم خارجَ التاريخ .. خلفَ جدار الفصل العنصريّ .. وخلفَ عيون العالم .. خلفَ كلّ ماهو إنسانيّ ، وحقّ ، وجميل ..
أمهاتٌ تبكي ، وتندب .. ولا من مُعتصِم ..
وإن وُجِدَ المُعتصِم .. فهو مُكبّلٌ بألف قيد ٍ ، وقيد ، من كلّ الأنواع ..
وماذا تفيده أجنحته .. وجَسَدُه مُكَبّل ..؟!
العراقُ .. بين دماء ٍ ، ودماء ..
بين عدوّ خائن ، يشربُ من دمه ، ليُشبعَ غرورَه ، وغطرسته ، وضخامته المرَضيّة ..
وعدوّ يتسلّح بالعلم .. لكن ، أيّ عِلم ..؟! علم ٍ مادّيّ ، عنصريّ ..
وأيّ ُ نفع ٍ لعِلم ٍ يُدَمّرُ أحلاما ً جميلة .. ليبني فوق رمادها ، أحلامَه بالسيادة على الكون ..؟!
يقتلُ الطفولة َ ، والبراءة .. يسلبُ رُقادَ البائسين .. وطعامَ الجائعين .. ومالَ الفقراء .. وأمنَ العُزّل .. وكرامَة َ المُستضعَفين .. ؟!
أين أنت ِ ، أيتها الحقيقة ..؟!
لماذا توارَيْت ِ خلفَ دخان الباطل ..؟!
غنتْ لك ِ فيروز ، في زمن ٍآخر ، كان مقدّمة ً لهذا الزمان الرديئ .. ( هل هو الرديئ ..؟! أم نحن ..؟! ) ..
داعية ً، أن تكون ( عينك علينا ..) .. وغنى لك ِ وديع ، داعيا ً ، ألاّ تهجري سماءَ لبنان .. وألاّ تتركيه للطامعين ..
فأين أنت ِ ..؟!
سامحيني ، أيتها الحقيقة .. فأنا من أكثر الناس إيمانا ً بوجودك ِ .. وبسيادتك ِ على الكون .. لكنني أستدعيك ِ من روح ٍ مُشبَعة قروحا ً داخلية ً، وخارجية .. خاصّة ، وعامة .. مشتاقة ً لمعانقتك ِ .. راغِبَة ً أن يُطِلّ وجهُك ِ المُشرق ، الصّبوح .. وأن تفردي أجنحتك ِ الشفّافة ، العملاقة .. على صفحة وطني .. وعلى العالم أجمع ..
على البائسين ، والمستضعَفين ، في هذا العالم المتخبّط في مستنقع الظلام .. بين متقاعِس ٍ ، ومُستسهِل .. وجاهِل ٍ ، ومُجَهّل .. بين فقير ، ومُفَقّر .. بين مَن استسهَلوا الدخول في تيّار التجهيل ، أو الجهل .. الآتي من أودية البشاعة .. كمارد ٍ أسود ، ظالم ٍ ، طاغ ٍ ، متمرّد على كل قوانين النور والضياء ..
أتدرين ، أيتها الحقيقة .. أنني أحبك ِ ، من خلال حبيبي ..؟!
محمود .. يحمل بعضا ً من صِفاتك ِ .. من نورك ِ ، وسِحرك ِ ..
يا منبعَ الخير ، والجمال ، والعدل ، والرحمة .. الأزليّ .. السرمديّ …. }
زينب ..
السور الأخضر
2004
******************************************************************
( كنا على العشب ، نرعى البقر .. ركضت ِ ، يا منتهى :
– محمود .. محمود .. فراشة ..!!
قفزتُ خلفك ِ .. صعَدت ُ السلسلة .. أمسكتُ بطرف فستانك ِ الأحمر .. حَنِقت ِ :
– كدتَ توقعني .. هات يدك َ ..
ركضنا خلفها .. تابَعناها بأعيننا ، وجسدينا الصغيرين .. حَلّقتْ روحانا معها .. بل أبعَدَ من مداها بكثير .. تعثّرت ِ بالحجر .. سالَ دمٌ من ركبتك ِ الصغيرة .. صرخت ِ :
– محمود ..!!
– لا تخافي يا منتهى ..
أسرعتُ نحوك ِ .. بحثتُ .. لم أجد سوى كفّي .. ضغطتُ على جرحك ِ النازف .. صرخت ِ ، وارتجفت ِ :
– تؤلمني يدُكَ أيضا ً ..
– لا تخافي ..
ومسَحتُ الجرحَ بطرف قميصي شبه المهترئ ..
وكان لي ، في البيت ، حسابٌ مع أمي :
– وهل يحتمل قميصُك َ – بَعدُ – غَسْلة ً واحدة ..؟!
– لكنها كانت تتألّم ..!!
– وما شأنك َ أنت ..؟!
عودي يا منتهى ..
عودي .. أيتها الطفلة ُ الحبيبة ..
ويصدمني صوته :
– هل أنت َ جاهز ..؟! البضاعة ُ في السيارة .. واسمُ كل زبون ، على الأكياس ..
رافقتك َ السلامة ..
وانطلقتُ .. وأنت ِ تجولين ، دمعة ً ، في خاطري يا منتهى ..
دمعة ً .. وزهرة ..)
محمود 2004
******************************************************************
كنتُ في المحلّ ، بمفردي .. وكان يوم عطلة رسمية .. كنتُ مستغرقة ً في كتابة بعض الخواطر ، بعد أن أقفلتُ البابَ الزجاجيّ من الداخل .. وأسدلتُ الستارة الزهرية ، لأخفي نفسي عن المارّة .. وأتفرّغ للقراءة والكتابة ، دون أن أشرد ..
أشعلتُ المصباحَ الكهربائيّ .. جلستُ على ذلك المقعد البلاستيكيّ المُريح .. أرَحتُ قدميّ على عارضة المقعد المقابل .. الطربيزة إلى جانبي الأيمن ، أضع عليها بعض الأوراق والكتب ..
لا أريد متّة ..
بي حاجة ملحّة للكتابة ، للبَوح .. لا تقاوَم ..
{ شيئ ٌ ما ، انكسَر ..
هناك شيئ ما ، حدَث َ فيه شرخ ٌ كبير ..
بعض الأشياء ، يمكن أن تلتئم إن هي شُرِخَتْ ، أو تصَدّعَتْ .. لكن هناك شيئ ٌ ما في روحي ، انشرخ وتصَدّعَ ، شبه مستحيل ، إن لم يكن المستحيل كله ، أن يعود كما كان ..}
شقَقتُ الورقة .. وضعتها جانبا ً .. لا أريد أن أتمادى في التداعي ..
حاجتي ملحّة لأن أكتبَ أشياء أخرى ، قد تكون مختلفة .. لكنني لا أعرف ماهي ..
سأترك لقلمي أن يترجم مشاعري ، دون رقيب .. فأنا الآن بمفردي .. وسأبوحُ لك َ أيها الصديق القديم ، الجديد .. المتجدّد دائما َ ..
{ عندما تُختصَر الحياة .. وتصبح مسحا ً ، وجليا ً ، وطبخا ً ، واستقبالات ، وأحاديث مكرّرة ، متشابهة ، وأعمالا ً روتينية .. يُدخِلُ السأمُ ، والركودُ سمومَه في دمائنا ..
الملل .. زيادة الطعام – كتعويض – .. ثم السمنة .. البذر .. المتة .. البحث عن الجديد البرّاق .. اللهاث وراء الحديث عن الأمور المادّية .. دون جدوى ..
نجَمّد عقولنا في دوائر مقفلة بالإغراءات الاستهلاكية .. فتفرغ الروح .. تضغط على أعصابنا ، لأننا لا نشعر بالاكتفاء الحقيقيّ .. الاكتفاء الروحيّ .. ونبقى جائعين .. بل نزداد جوعا ً .. وسمنة ً .. وخمرا ً .. وأدوية .. ونميمة .. وخواء ً .. يوما ً بعد يوم ..
كأننا دخلنا في سيرك ٍ .. الممثلون فيه أقزام ..
شعراء أقزام .. وفنانون ، أصواتهم قرقعات .. ورسومهم مزوّرة .. وشيوخ ٌ ، صلواتهم لا تتجاوز الشفاه .. وأطفالٌ ضائعون .. ليست لهم قدوة ٌ واضحة .. }
جرسُ الهاتف ، قطع َ عليّ الاسترسال في عالمي الخاصّ جدا ً.. الذي لم أدخل منه في هذه الجلسة ، إلاّ ( مَدْوَر ) البيوت الطينية .. نظرتُ في الكاشف .. لم أعرف الرقم ..
– أنا مريم .. أخت محمود ..
استغربتُ اتصالها .. وسُررتُ به .. هي من رائحته ..
تودّدتْ لي بصدق :
– أخي يحبكم كثيرا ً .. صداقتكم ، سندٌ له في ظروفه هذه ..
ورجتني أن أشجعه على أن يحبّ أخرى من عندنا ، أثق بها .. كي ينسى حبا ً مستحيلا ً..( منتهى ) ..
سألتني عنه .. قالت :
– اتصلتُ بالشركة التي يعمل بها ، قالوا لي أنه مسافر إلى منطقتكم .. فإن مَرّ عليكم ، أرجوك يا زينب ، قولي له أن يتكلّم معي فورا ً .. لأمر ٍ مهمّ ..
– تكرم عينك .. لكن ، إن شاء الله خيرا ً ..؟!
– إن شاء الله .. أمر بسيط ، لكن يجب أن يعرفه ..
وكان الموضوع – كما أخبرني محمود لاحقا ً – حين اضطربت ملامحه ، بعدما كلّمَ أخته .. أن سلمان زوج منتهى ، قد تزوّج عليها ..
***********************
– هل أضعُ قليلا ً من أحمر الشفاه ..؟!
لا .. لا ..
– هل سيراني جميلة بدونه ..؟!
أشعلتُ النيون ، وسحَبتُ الستارة الزهرية السميكة ، كي لا يراني مَن في الشارع ، وأنا أراقب نفسي بدقة في المرآة ..
– هل ستنفّره تلك الشعرات البيضاء في غرّتي ..؟!
اقترحتْ عليّ أغلب زميلاتي ومعارفي ، أن ( أحَنّي ) أو أصبغ شعري .. لكنني لم أقتنع ..
– عنيدة .. لا تغيّر قناعاتها بسهولة ..
– كل عائلتهم هكذا ..
عَقّبتُ – حينها – :
– سنبقى نحكي بالعائلات ، والجماعات ، والعشائر ، والطوائف .. حتى تسحقنا حجر الطاحون ، التي سَحَقتْ غيرنا .. عائلة ً ، عائلة .. وجماعة ً ، جماعة …إلخ
– ولِك يا ستّي .. نمزح .. نمزح .. دائما ً تحوّلينها إلى جدّية ..؟!
– لأن هذا النوع من التفكير ، وهذا التعميم .. هو مَقتلنا .. كحَيّة التبن .. تقتل في الخفاء ..
أعَدْتُ ملقط الشعر إلى مكانه في حقيبة كتفي .. بعد أن نزعتُ عِدّة شعرات بارزات في حاجبي .. أعجَبَني انسيابُ شعري على كتفي .. لكنني أعَدتُ ربطه كما كان ، بربطة سوداء ..
تذكّرتُ ( صباح ) ….
كنا في الصف الأول الإبتدائي .. أبوها رئيس المخفر .. من شمال سورية .. ربما من حلب ، أو إدلب ..
كانت لهجتها مختلفة عن لهجتنا قليلا ً .. كنا على المقاعد – والآنسة تشرح الدرس – نشدّ شعرها المنساب – كشلال كستنائيّ – فوق ظهرها .. نعابثها .. ونحبها ..
تلك التلميذة السمراء النحيلة .. كانت أقصَرَنا قامة ً ، وأطولنا شعرا ً ..
أين أنت ِ يا ( صباح ) ..؟!
أنت ِ الوحيدة ، التي ذكرتك باسمك ِ الحقيقيّ ، في روايتي هذه ..
لا أزال أحبك ِ .. وأحنّ إليك ِ .. وإلى زمن ٍ بريئ ، جَمَعَ براءاتنا ..
ليتني أخذتُ صورة ً معك ِ ، قبل أن ترحلي ..!!
لم أكن أصدّق يا ( صباح ) أن الزمن يمكن أن يفرّقنا .. بل ، لم أكن أشعر بالزمن ..
هل ، لا تزالين تحبيننا ، كما أحببتِنا سابقا ً ..؟!
أتكلّمُ باسمي – فقط – .. لأن هذا الزمان أصبح فرديا ً .. ولم يعُد جماعيا ً ، كما كان .. لذلك أقول :
– لا أزال أحبك ِ ، يا ( صباح ) .. لا أزال أوَدّ لو أقبّلَ شعرك ِ الطويل ، ذاك .. الذي كنا ندعوه – معابثين – ( ذيل الحصان ) .. وكنت ِ تردّين على عَبَثنا ، بعبث ٍ مشاكس ٍ ، مثله :
– إي .. شو عَليه ..؟! ذيل الحصان نظيف .. نحن كل يوم ننظف حصان بابا الأحمر ، بالساقية .. ونغسله بالصابون ..
أحِبّ الخيول ، يا ( صباح ) ..
وكُرمى لعينيك ِ .. أحبّ ذيولها النظيفة ..
******************************************************************
{ كلما طُرقَ الباب ، أهرعُ بشغف ٍ يستغربه الحاضرون ..
وعندما أعود ، مكسوفة الفؤاد ، أداري .. عساهم لا يلحظون انكسار روحي ..
يتكلمون .. أشاركهم بجُمَل ٍ متقطّعة ، غير مترابطة ، غير مكتملة الوضوح .. لا تُشبِعُ فضولهم ..
لكن أخي الذي يهتمّ بأمري أكثر من الجميع .. يسألني :
– مابك ِ ..؟!
وأجيبُ بابتسامة ٍ مصطنعة :
– لا شيئ ..
يظنون أنني مشغولة ٌ بشيئ آخر ..
لا يمكن أن يتصوّروا أنني أنتظرك ..
أنتظركَ فقط .. ليكتملَ الحضور .. لتثري حياتي ، وروحي ، وقلبي ، وعمري ، وكياني ..
لتُشعِرني بالاستقرار ، والأمان ..
وتُصِرّ روحي .. يُصِرّ حدسي .. أنك َ لابدّ قادم ..
وتأتي ..
تأتي ، بحضور ٍ طاغ ٍ .. يغني عن كل حضور ..
يا غالي على قلبي .. }
زينب ..
***************
{ كتبتُ لك َ ، ذات شوق :
– كم كان عيد ميلادي سعيدا ً ، هذا العام ..؟!
أثريته بحضورك َ الطاغي ..
هل حَدَستَ أنني أنتظرك ..؟!
صدقت َ يا غالي .. أيها المُترَفُ بالهطول ..
صدّقني .. عندما يكون مكانك شاغرا ً في حياتي .. لا يمكن لأحد ٍ – مَن كان – أبدا ً .. أن يملأه ..
لماذا استعصَت ِ اللغة ُ عليّ هكذا ..؟!
لماذا ضاقت بالمعاني التي أرَدتُ أن ألبِسَها إياها ..؟!
هل ، لا يمكن للحبّ أن يُحتوى ، كلّما كبُر ..؟! ربما ..!!
سؤالٌ ، يا غالي :
– مَن يتضرّرُ ، إن أسكنتك َ ضلوعي .. واحتويتك َ بأمان قلبي .. وغفوتُ ، ضامّة ً ساعديّ ، كي لا يهرب الحلم ..؟!
المهمّ ، أن تعرف أن مقعدك شاغرٌ ، ولا أسمح لأيّ كان أن يجلسَ على حافته .. لأنه سيبدو قزما ً ، أمام حضورك َ الممتلئ .. أيها الجميل الرحب .. يا ذا المقعد الوحيد ، فوق مصاطب روحي الخضراء ..}
زينب ..
2004
**************
بكيتُ – حينها – كما أبكي كلّ مرة أكون فيها صادقة ً مع نفسي ..
– ويحي ..!! مَن أكون ..؟!
وتلك المعذّبة ( منتهى ) ..؟!
يالي من ظالمة ..!! لكن الأمر ليس بيدي .. صدّقني يامحمود .. لم أدر ِ كيف دخلت َ قلبي .. ولا كيف كنت َ الوحيد .. لكنني أدرك ُ أن الأمر لم يأت ِ من فراغ .. لم يأت ِ من عَدَم ..
هل تعذرني بحبك َ يا محمود ..؟!
تقول ، وأقول :
– وهل الحبّ ذنب ..؟!
ربما أتساءل داخل نفسي : – أدّعي أنني أحبّ منتهى إلى أبعَد الحدود .. وأتعاطفُ معها .. وأنني مستعدّة ٌ لخدمة عينيها .. لكنني ، بالمقابل ، يا عزيزي ، أحسّ بالصراع ، حين أعلن لنفسي أنني أحبك َ بهذا القدر .. وأتهم نفسي بالخداع ..
النفاق ، أبعَد مايكون عن طبيعتك يا زينب .. فماذا دهاك ِ ..؟!
هل ضللت ِ ..؟!
أنك ِ صرت ِ أصدَقَ ماتكونين مع نفسك ..؟!
وحين يُشقيني هذا الإحساس بالضياع .. أو بعدم التبرير لنفسي أنني أحبك َ .. وأحبّ حبيبتك َ بنفس الوقت ..
حين يقلقني هذا الشعور القاسي ، بأنّ ذلك فيه ، ولو قدر ٌ ضئيل ٌ من المكر و ( الخيانة ) ..
وما أبغضَ تلك اللفظة عليّ ، وعليك َ يا محمود ..!!
حين أسهر الليالي .. وأعجز عن النوم ، وأنا مُشتّتة .. لتبرير ( فِعلتي ) أمام نفسي أولا ً .. وأغوصُ داخل ذاتي إلى الأعماق.. أكتشفُ أنّ حبك َ حاجة ..
حبك َ يا حبيبي ، يملأ ثغرة ً في الروح ..
لولاك َ ، لما شعرت ُ بالتوازن ..
حبك َ يا غالي ، ليس أيّ حبّ .. أبدا ً ..
كل حبّ ممكنٌ أن يملأ بعضا ً من فجوات الروح لديّ ..
لأنّ الحبّ من ضمن تركيبة روحي ، وجسدي .. ويشغل أكبر مساحة فيهما ..
لكن حبك َ ، أيها الغالي .. حبك أنت َ تحديدا ً .. فهو ، كلعبة ( الليغو ) .. أو ، كالمكعّبات الخشبية ، في أيدي الأطفال البارعين .. يأتي في المكان الصّح .. ليُكمِلَ اللوحة.. ليعيدَ تشكيل نسيج الروح .. فتصبحُ أكثر انسجاما ً..
وأنت َ .. أنت َ فقط ..
وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاما ً ، استطعت َ – بحضورك َ الطاغي – أن تملأ هذا الفراغ .. أن ترمّمَ ذلك الشرخ .. فكيف لي ألاّ أشعر بهذه القيمة ..؟! كيف لي ، أو لك َ .. أو لأيّ شخص ٍ ، أن يلومَني على حبك َ ..؟!؟!
حاوَلَ الكثيرون قبلك َ ، يا محمود ، أن يشغلوا ذلك الموقع .. دون أن يتركوا أثرا ً.. ومنهم مَن مَلأ جزءا ً يسيرا ً جدا ً من تلك الهوّة ، بين ذاتي ، وذاتي .. لكنّ المكان بقيَ مخلخلا ً.. كانوا أضألَ من حجمه .. فعَبَروا جميعا ً ..
أما ذلك الطاووس ، الذي – رغم أنه لم يمكث طويلا ً – لكن المدة كانت كافية لتوسيع ذلك الفراغ .. لزيادة ذلك الشرخ .. وتشويه تلك الحاجة .. وبَعثرة أجزائي ، أكثر ، وأكثر .. بالإضافة إلى تلك الشروخ التي أعقبَتْ ( تسريحي ) له – بلغة العَسكَر – وما أحدَثه ذلك التسريح ، من شروخ ، بيني وبين أهلي .. أهلي ، الذين يدّعون الحِكمة َ ، والتعَقّل .. الذين توارثوا عبادة الحق .. لكنهم أنكروا عليّ حقي في أن أكون ذاتي ..
هل يجب علينا يامحمود ، أن نعبُدَ التقاليد ، أو الموضة السائدة .. ونظنّ أننا نعبد الحق ..؟!
أوَلَم تأت ِ الأديان لتحثّنا على تحطيم الأصنام .. وإعمال عقولنا ، وأفكارنا ، التي نتميّز بها عن باقي مخلوقات الله تعالى ، لنصِلَ إلى ماينفع الناس .. دون أن نطغى ، أو نظلم أنفسنا ، أو الآخرين ..؟!
لماذا ضللنا يا محمود ..؟!
أتصوّرك َ الآن ، تقرأ هذه السطور .. وتقول لي – متذمّرا ً كالعادة – :
– أفهمك ِ .. فاختصِري ..
فأفزع .. وأخجل من ذاتي ، حين أتصوّر أنك َ تعرف أنني أحبك َ .. وبهذا الفيض ..
صدّقني .. لا أعرف كيف أحببتك .. ولا متى .. لكنني ، عندما استعَدتُ توازني .. واستعَدتُ ما يشبه اكتمال إنسانيتي .. فكّرتُ بالسبب .. فإذا به حبك َ ..
حبك َ ، الذي هبط – كالغمام – على صحراء الروح .. كديمة ٍ مليئة ٍ بالسنابل .. أنعَشَتني .. فأثمرتْ أشجارها العاقر ، وحقوليَ الجديبة .. وراحت توزّع الخصب ..
يالي من عاثرة ..!!
يالي من محظوظة ..!!
أم أنه القدَر .. ؟! القدَر الذي تمتدّ إلينا يدُه بالغذاء .. وعندما تقتربُ اللقمة ُ ، يُبعِدها ، قليلا ً ، أو كثيرا ً .. كي نبقى في شوق .. وكي يزداد هذا الشوق .. وكلّما ازداد ، كلما حثثنا الخطا .. وشحَذنا الهِمّة .. كي نواصِلَ المسير ، بهِمّة ٍ عالية .. باتجاه ذلك الغذاء الروحيّ …. تلك الحاجة للاكتمال ..؟!
لك َ حبي .. واعذرني ..
فأنت َ بَحرٌ يا محمود ..}
زينب …. أختك ..
السور الأخضر
2004
****************************************************************
مرة ً ، كنا أنا وأخي علي نرعى الدواب على ( الرّبّيصة ) .. تلك القطعة المَشاع من الأرض ، التي كانت تلي قريتنا ( السور الأخضر ) .. متاخِمة ً ( البوّيلة ) .. التي كانت مغطاة بالبلاّن ، والشفشاف .. والتي أصبحت اليوم مغطاة ً بالأبنية السكنية ..
كانت ( الرّبّيصة ) مغطاة ً بالعشب الأخضر الناعم ، والأزهار الصغيرة ، ذات الألوان المتعدّدة .. كان أطفال القرية ، كثيرا ً ما يجعلونها مَلعبا ً ل ( الصّبّ ) و ( الخامسا ) و ( الحَلجة ) .. لكن اللعبة الأكثر شيوعا ً على ( الرّبّيصة ) كانت ( الكَلِل ) .. أي ( الدُّحَل ) .. حيث يسهل على الأطفال حفر الجُوَر ، التي تنزل بها ( الكِلّة ) ..
كانت ( الشيخ بدر ) التي هي الآن مركز المنطقة .. تبعد عن ( السور الأخضر ) نحو عشرة كيلو مترات ، غربا ً .. تضمّ عدّة قرى صغيرة .. وكانت تُدعى ( الأندروسة ) .. ولا أعرف متى سُمّيَتْ باسم المزار الذي فيها .. والذي يُلَقّب ب ( الخفير ) .. ربما لأنه كان خفيرا ً في عصره .. ويجب أن يكون مناضلا ً شعبيا ً .. لذلك ، لا يزال يُزار من قِبَل المئات من قرانا ، ومن القرى الأخرى البعيدة .. ويُقصَد لذوي الحاجات .. ربما كما كان يُقصَد في عصره ..
في بلادنا ، لا تنتهي الثقة بالشريف بعد وفاته .. أو بالمناضل بعد رحيله .. بل يبقى حيا ً في نفوس الناس ، وملاذهم ، حين تنقطع بهم السّبُل .. يُكرّمونه ، كما في حياته .. وربما أكثر .. لأنه يصبح معنى ً ساميا ً.. ورمزا ً .. بطلا ً .. شفيعا ً .. مُنقِذا ً .. مُنصِفا ً .. عادلا ً .. وربما إنسانا ً كاملا ً .. ظلّ إله .. فوق هذه الأرض التعِسة .. المظلومة ..
**************
كنا على ( الرّبّيصة ) نرعى ، ونقطف أزهار ( الخاروف ) البيضاء ، والمزهّرة .. ونبحث عن ( الطلباظ ) .. الذي يكثر عليها .. نميّزه من أوراقه الخضراء الرفيعة الطويلة المَحنية .. وزهرته الصفراء .. نهوي على التراب من حَوله ( بمناكيشنا ) ..
لم تسمح لنا جدتي باصطحاب أكثر من ( منكوش ) واحد .. لأنها تحتاج الآخر دائما ً ..
كان علي ، يستأثر بالمنكوش – غالبا ً – .. ولأنه أكبر مني ، يثق بقدرته على استخراج رأس ( الطلبَيزة ) سالِما ً ، أكثر مني ..
كنا نستلذّ بطعمه .. وكان أخي يجمع عدة رؤوس مع بعضها ، ويربطها بواسطة أطول سوقها ، ويأخذها إلى جدّتي ، التي كانت تأكل واحدة ، وتوزّع البقيّة على أفراد العائلة .. فتسمح له – بسهولة – في اليوم التالي ، أن يأخذ ( المنكوش ) ..
– زينب .. زينب ..
والتفتّ .. فإذا بثلاثة أحصنة تختال.. فوقها ثلاثة إحراشيّة ( موظّفو أحراش ).. كانوا قد تناولوا الغداء في بيتنا ..
اقتربتُ من أخي ، لائذة ً ، خائفة ً من صوت حوافر الأحصنة المَحْديّة ، فوق حَصى الطريق ..
صاحَ أوّلهم بأخي – باسِما ً – :
– ( عمْ ترعى بأر ..؟!)
ربما كان يتودّد لابن أبي ، البِكر .. بعد أن ملأ معدته من بيتنا ، وأكرِمَ من قِبَل أبي ، وأهل القرية كلّهم ..
كانوا يخشونه كثيرا ً ، إذا اضطرّ أحدهم إلى قطع شيئ من الحطب ، أو بعض أغصان السنديان ، ليُطعِمَ دوابّه ، حين تقِلّ كميّة التبن ، والشعير ، أو الكرسنّة ..
كان أبي يشفع لهم عند ( مأمور الأحراش ) .. لكن .. في مرة ٍ .. فلتتْ عنزاتنا من الزريبة ، بعد أن فتحت جدتي عليها الباب المصنوع من ألواح خشب متصالبة ..
طوال الليل ، والعنزات : ماء .. ماءءءء ….
كنا نسمع أصواتَ قرونها تتصارع ، وتصطدم ببعضها بقوة وعنف شديدين .. ثم نسمع خربشات وأصوات حفيف أوراق شجر ، وسقوط ..
جدّتي ، الوحيدة التي كانت تعرف ما يجري .. أما نحن الصغار ، فكنا نعود إلى النوم بسهولة ، قربَ مَوقِد الحطب الحديديّ ..
عمي .. صالح .. كان ينام في غرفة جدتي .. على تخت ٍ خشبيّ .. قربه ( طبليّة ) خشبية مستديرة .. عليها دفاتره ، وكتبه ، و ( ضَوّ نمرة أربعة ) .. مليء بالكيروسين .. به فتيلة تمتصّ الزيت .. نوقِدها بأعواد الثقاب ، ونضع فوقها ( بَلّورة ) شفافة ، تحمي الضوء من الهواء ، وتسمح بعبور النور ..
كانت أمي تعَلّمنا كيف نمسح البلّورات من الشّحّار الناتج عن الاحتراق غير الكامل للكيروسين .. حيث نغلق فوهة البلّورة من الأسفل براحة كفنا ، وننفخ فيها ، كي نرطّب الشحّار .. ونُدخِل قطعة قماش صغيرة في البلّورة .. نحرّكها داخلها بواسطة عود صغير حتى تنجلي .. استعدادا ً لا ستخدامها مرة ً أخرى ..
كم مرة جرحتني تلك البلّورات اللعينة ..!! وكم أكلتُ قَرصة ً في ذراعي من أمي ، حين أكسر إحداها ..!!
كانت تلك العملية تتكرّر كل يوم ، قُبَيل المغيب ..
نهَضتْ جدتي حليمة ( أم سليمان ) صباح ذلك اليوم المُثلِج .. كانت قد وضعتْ فوق موقد الحطب المحفور – بشكل دائريّ – في وسط تراب غرفتها .. والذي بقي متوقّدا ً طوال ذلك الليل الصقيعيّ ..
كانت قد وضعت فوقه وعاء ً نحاسيا ً كبيرا ً ( الدّستْ ) مملوءا ً بالماء .. فوق منقل ٍ حديديّ .. تناوَلتْ ب ( الكال ) بعضَ الماء الساخن ، ومزجته من الخابية ، بقليل من الماء البارد ، في إبريق من الصيني المدهون بالأزرق من الخارج ، والأبيض من الداخل ، والمتآكل .. حتى ليكاد الصدأ يثقبه ..
غسَلتْ وجهها ، ويديها ب ( المَدْوَر ) ، بعد أن أزاحَتْ لفحتها عن رأسها ، وأبقتها معلّقة على عنقها ..
مسَحَتْ رأسها ، وهي تتشهّد ، وتصلّي على النبيّ وآله وصحبه الطاهرين .. ثم نشّفتْ بطرف اللفحة ..
كادت تقع في ( المَدْوَر ) عندما حاولت النهوض ، لأنها داست على طرف فستانها الفانيلا السميك ..
– أستغفر الله العليّ العظيم .. شو صاير لي ، علام بكرة الصبح .. يا فتّاح ، يا عليم ..؟!
صالح .. يا صالح .. صاحَ الديك من ساعة ، يا إبني .. وتكاد الشمس تظهر .. انهَض يا بنيّ ..
وأطلقتْ صوتها الحنون – كعادتها عندما تتأثّر ، أو تتذكّر – فتغني أحزانها ، وفقدانها الأحبّة .. وتتبع عتاباها ومواويلها ب ( آخ .. آخ ..)
فتحَت الباب الخشبيّ المُعَشّق بالتوتياء من الخارج .. لكنها احتاجت لمزيد من القوة حتى انفتح ..
الخشبُ نافِشٌ من الرطوبة والهواء الغربي ، الذي توقّفَ في ذلك الليل ، بعد أن بقي يعصِفُ ثلاثة أيام متتالية ..
– أرحَم من الشرقي – مهما يكنْ – ..
الشرقي – في كانون – / يُزَنطِر / ويشقّق الجلد العاري ، حتى يسيل الدمُ من الأيدي والشفاه ..
– عندما يهبّ الشرقي ، يظلّ بابنا يَصُرّ طوال الليل ، إن لم نغلقه / عَصو / بالخروق ، التي نضعها بينه وبين الحائط ..
– أنوفُ أولادنا لا تجفّ ، أثناء هبوب الشرقي ..
– صالح .. يا صالح .. قم يا بني .. انظر .. أللهمّ صَلّ على النبي .. والله مبكّر يا مبارك ..
– ماهو المبارك ، يا أمي ..؟!
– انظر يا صالح .. الثلج على الركبة .. والدنيا كلها بيضاء .. بيضاء ..
عدّة سطول من ( الدّست ) لم تستطع أن تفتحَ طريقا ً أمام البيت بشكل كاف ٍ .. لتستطيع جدتي أم سليمان ، أن تخرج لتطعِمَ الدواب ، وتسقيها ماء ً من البرميل .. إذا استطاعت أن تكسر جليده .. فتمزج الماء الجليديّ ببعض الماء الساخن ، لتسقي دوابها ، وتكسر به جليد جرن الدجاج ..
أزعجتها أصواتُ الحيوانات التي ارتفعت وتيرتها ، عندما فتحت الباب ، وسمعت ْ صوتها ..
تناوَلتْ عصا جدّي ( الشيخ يحي ) الذي كان ( عقيدا ً ) أيام الثورة .. غرزتها في الثلج .. وتوكأت عليها ، حتى استطاعت الوصول إلى باب ( الصّيرة ) .. فتحتْ بابها الخشبي العتيق ، وذهبت إلى الغرفة الغربية ، التي كانت عمتي سكينة تنام فيها .. حيث ملأت ( قِفّة ) من التبن ، خلطته بقليل جدا ً من الكرسنّة .. تغري بها الدواب ، لتُقبِل على التبن و ( القصْرينة ) ..
( تمتمَتْ ) :
– ألله يرضى عليك ِ يا سكينة .. أصرّيت ِ على الذهاب إلى عند أختك .. هل هذا وقتها يا سكينة ..؟!
كيف أستطيع أن أقطعَ السنديان بمفردي ، في هذا البرد .. ويدايَ ( مُكَرفِحتان ) ..؟!
– أنا أساعدك ِ ، يا امرأة عمي ..
– لا أنت ِ ، ولا هي ..
أنت ِ ، اذهبي إلى أولادك .. وأنت ِ يا أمي ، ضعي أمام الدواب قليلا ً من قشور الذّرة .. وأنا ، وأخي صالح ، نقطع السنديان ..
– انتبه يا سليمان .. كي لا تتزحلق ، مثل المرة الماضية ..
– لا زلت ِ تعتبرينني صغيرا ً ..؟!
( وصاحَ بالعنزات ) :
– سيكْ .. سيكْ ..
فلتت العنزات .. ألله يستر ..
أيقظتنا أمي لنفرح بالثلج ..
– أحّ ح ح .. لكن ، يقولون : – ( لما تَلْجِتْ .. فَرْجِتْ ..)
***************************************************************
– أتينا هذه المرة ، بزيارة خاصّة ، يا أخ أبو علي ..
رحّبَ أبو علي بالضيف الأنيق ، ذي الطقم الغامق ، والقميص الأبيض ذي الياقة المكوية بإتقان ، والتي تتدلّى منها كرافتة مخططة بألوان مائلة متعدّدة ..
وجهه ممتلئ وحليق .. كرشه يدلّ على الامتلاء المزمن .. يزيده انتفاخا ً، ترحيب أبي علي به ، وبمَن معه ..
– أهلا ً وسهلا ً .. البيت بيتكم ، يا أخ أبو سعيد .. إن كانت الزيارة خاصّة ، أو عامّة ..
– ألله يكرم خاطرك ..
( ثوان ٍ من الصمت ، قطعها أبوعلي ..) :
– خيرا ً ، إن شاء الله ..؟!
( يسوّي ساقه اليمنى فوق اليسرى .. يسند ظهره على المقعد ، كي يريح كرشه من الضغط .. يتنحنح ) :
– أتيتُ ، مع ابني هذا .. ( ويضع كفّه على كتف ابنه ، ويداعِب عنقه.. والإبن مُطرق ، خجِل ) :
– سعيد .. ألله يحفظ كل أبناء الناس ، حتى يحفظه .. مهندس – كما تعلم – تخرّجَ هذا العام ، وفتحنا له مكتبا ً في طرطوس .. وجهّزنا له بيتا ًكاملا ً.. ولم يعُد ينقصه إلاّ ابنة الحلال ..
فإن لم يكن عندكم مانع .. نرغب في طلب يد كريمتكم زينب ..!!
فوجئ أبو علي بالطلب .. اضطربَ قليلا ً ، ثم قال :
– والله ، لا أعرف ماذا أقول لك َ .. فاجأتني بالموضوع ..
– فكّر ، على أقلّ من مَهلك ..
– لا تفهمني بشكل خاطئ ، يا أبو سعيد .. فقط ، أنا أفكّر أن البنت لا تزال تدرس .. وهي – كما تعلم – تستعدّ للشهادة الثانوية هذا العام .. ولا أريد أن أشغل تفكيرها بهذه الأمور الآن ..
– إذا كان هذا هو المانع ، بسيطة .. نحن أتينا نخطبها فقط .. وللزواج وقتٌ آخر .. فما رأيك ..؟!
– يا أخي ، والله نتشرّف .. لكن البنت طموحة .. وتريد أن تحصل على شهادة جامعية ، وتحصل على وظيفة ، مثل أخيها .. والحقيقة ، أنا معها .. ليس لديّ بنات غيرها .. ولم يسلّم لي ربّ العالمين غيرها هي و أخويها ، علي ( أبوتمّام ) .. وذلك الصغير محسن ..
– ولماذا تتعِب نفسها ..؟! البنت يسترها بيت زوجها أولا ً وأخيرا ً ..
– والله ، يا أخي .. كل إنسان ينظر إلى الحياة بشكل مختلف .. نحن نحب العِلم .. وزينب – الحمد لله – متفوّقة على أخويها الذكَرين ..
– كلنا نحب العلم يا أخي .. هاهو المهندس أمامك َ .. وإخوته – ماشاء الله – على الطريق .. وأعِدك َ – إذا ألله كتب نصيبا ً – أن تكون مثل ابنتي ..
– وحياتك ، لا أشكّ في ذلك أبدا ً .. لكن البنت – في هذه الأيام – لا يضمن مستقبلها إلا الشهادة والوظيفة .. وبعدئذ ٍ ، عندما يأتي النصيب ، لا نقدر أن نقفَ في طريقه ..
– لا تخف على البنت ، يا أخي .. نحن لسنا محتاجين للوظيفة .. الحمد لله ، الخير يغمرنا .. وقادرين أن نعيّشها أحسَن من عندك َ بكثير .. وأنت َ سيّد العارفين ..
( ويعود أبو علي إلى زمن ٍ قاهِر ٍ .. حين هَدَمَ ذلك البيت الطينيّ القديم .. ليبني بيتا ً إسمنتيا ً حديثا ً .. فأغلب أهل القرية سبقوه إلى ذلك .. وقد تحمّلَ مع العائلة وضعَ البيت القديم إلى أقصى درجة ممكنة ، لضيقه المادّي .. لكنه أخيرا ً ، اضطرّ إلى هَدم ما تبقى من حيطان سليمة .. خوفا ً من سقوطها فوق أفراد العائلة .. واضطرّ للاستدانة بشكل كبير ، لم يستطع سَداده .. لا من بيع الحرير .. حيث ضاعَفَ في تلك السنوات من كمية بذر دود الحرير الذي كان يبيعه في حمص ، ويستغلّ تواجد بعض النقود معه ليشتري هو وأم علي أقمشة وأحذية للعائلة كلها .. تخيطها أم علي على ماكينة السنجر التي اشتراها لهم ( سلفها ) عندما مكث َ عندهم سنتين ، قبل أن يعود إلى الأرجنتين ، لأنه لم يستطع أن يتأقلمَ مع واقع القرية ، التي – كما قال – لم تتطوّر كثيرا ً ، منذ هجرته منها ، قبل أعوام طويلة ..
وعجز أبو علي – أيضا ً – عن سداد ديونه ، على الرغم من مضاعفته لزراعة دونومات عديدة من التبغ .. أما الزيتون ، فبالكاد كان يكفي مؤونة ، زيتا ً ، وزيتونا ً مرصوصا ً ..
وبالمختصَر .. اضطرّ – تحت ضغط الظروف القاهرة – التي تبَدّتْ له دفعة ً واحدة ، في تلك اللحظة التي جاء فيها ( أبو سعيد ) طالبا ً مناسبته .. على الرغم من محاولته تناسي تلك الفترة من حياته .. أن يعمل بالتجارة ، مع ( أبي سعيد ) إبن قرية ( السعدانيّة ) التي تقع في جرد المحافظة .. والذي استقرّ منذ كان صغيرا ً مع أهله ، في مدينة طرطوس .. ولم يعرف أبو علي .. أو بالأحرى ، لم يردْ أن يعرف كيف كان من أثرى أثرياء المدينة .. فهو بحاجة ماسّة لسداد ديونه المتراكمة .. وقد وعَدَ المَدين لهم ، على مواعيد ثابتة .. لا يقبل على نفسه – مهما كانت الظروف – أن يُخِلّ بها ..)
******************************************************************
{ تعالَ ..
ارم ِ أمام أقدامه المسرعة موجة ً من حنين ..
ازرعْ في دروبه الهاربة ، حقولا ً من جنون ..
صُغْ كنوز أشواقنا عقودا ً وسنابل .. وارسمها على صدر فتاة أحلامه ..
علّق هذه اللوحة الجميلة ، على أعطاف دروبه المسرعة .. علّه يقف مدهوشا ً ، في حضور تلك اللوحة .. ينسى نفسه ، وهو يستعيد ذكرياته العذبة ، الهاربة ، كخطاه ..
علّنا نستطيع أن نغافله ، ونسرق خيطا ً من أذيال ثوبه .. وننسج عالما ً خاصّا ً جدا ً .. جدا ً .. نصوغه بجنون أحلامنا ، كما نرغب .. نبنيه ، بأشواقنا الخالدة ..
دَعْ موجة ً من دهشة ، تغري تملمُلَ خطواته المتشابهة ..
عانقني خلف أمواج الرحيل ..
تحت القناديل ، في عتمة الشوارع ..
بادلني قبلة ً حالمة ..
وازرع حول دروبه القاحلة ، مساكبَ من بَوح العطور ، وضَوع ِ الياسمين ، ومن ألَق الكروم ..
يغريه المَقيلُ في رياضها ..
دَعْ كهولة َ أصابعه ، تلهو بغرّة أفراحنا الطفلة .. فينسى نفسه على مدارجها ..
تأبّط سلَة اللألاء ، التي جمعناها من صدى أرواحنا البريئة .. وانثرها في دروبه ، ألَقا ً .. ألَقا ً .. كلما اضطربت َ لهروبه السريع ..
تبهِره .. فيقف ليتأمّلها .. فينتشي .. ونتعانقُ .. طفلين ، في أزقّة ٍ مهجورة .. خلف جدران الزمان ..
دعنا نرخي عِنانَ ضحكاتنا العابثة ، خلف ليالي وحشته ، بين وقت ٍ وآخر .. علّنا نستطيع أن نضلّله .. فينعطف ، محاولا ً أن يكتنه َ مصدر القهقهات .. أو همسات القبَل المسروقة .. في ليالي التيه .. خلف رحيل أقدامه الهاربة ..
دعْ أصابعَك َ تخاصِرُ أصابعي .. وكفّك َ تحضنُ كفي .. ولنركب قطار الأمنيات ..
زادُنا الطفولة .. ومحطاتنا اللا مدى ……}
زينب … السور الأخضر
*****************
كان محمود يحدّثني عن ( أيام الهجيج ) عندما هرب من قريته التي – كما قال – لم يعُد يطيق الظلم فيها .. خصوصا ً ظلم تلك المسكينة منتهى ..
اشتغل في لبنان عدة أعمال ، منها ، كرسون مطعم .. وأيضا ً، ما سح سيارات .. وأخيرا ً ، حارس بناية .. لكنه ترك العمل فجأة ً ، نتيجة حادثة كادت تودي به إلى هاوية ليس لها قرار ..
أحَبّ فتاة ً ، كانت تتردّد على البناية التي كان يحرسها .. كانت لطيفة معه جدا ً .. أقنعته أنه الحب الأول .. وزاد من حبه لها أنها لم تُظهِر الغيرة من حبيبته الأولى ( منتهى ) .. بل ، حتى لم تسأله عن اسمها ..
كادت تقنعه بالزواج .. لكنه مرة ً رآها تدخل البناية متأرجحة ً ، مع شخصين .. لم يكن قد رآهما قبل ذلك .. وعندما اقتربَ ليسألها مابها ، هجَمَ عليه الشخصان ، وأوسَعاه ضربا ً، ولكما ً.. وأنذراه ، إن عادَ وكلّمها ، سيقتلانه ، ولن يعرف به أحد ..
لاحظَ ، أنها كانت تقهقه ، وهم يضربونه .. كأن الأمرَ ليس سوى لعبة مسلية ..
وفي الصباح ، ركبَ أول سيارة قادمة إلى طرطوس .. ثم زار أخته في القرية .. واستفسَرَ منها عن أحوال أهله ، ومنتهى ..
رَجَته مريم – التي لم تصدّق عينيها عندما رأته – ألاّ يعود إلى لبنان ، حيث الحرب ، والخوف .. وعجزتْ هي وزوجها عن إقناعه أن يبقى في عين براعم .. لكنه كان مصمّما ً ألاّ يعود ، إلاّ إذا عرفَ الجميع بما جرى ذلك اليوم المشؤوم .. عندما اتهموه – ظلما ً – وظلموا منتهى ..
وأخبرني أن بيت أخته ساعدوه ماديا ً ومعنويا ً ، عندما صَمّمَ أن يكمل دراسته بشكل حُرّ .. لكنه عندما حصَلَ على الشهادة الثانوية ، وسجّل في كلّية الحقوق ، لم يستطع أن يُكمِل .. خصوصا ً أنه كان دون عمل .. وأنه شعرَ أنه صار عبئا ً على أخته وزوجها ، اللذين لن ينسى لهما خِدمتهما له .. وأنّ مريم .. هي الوحيدة التي كانت ، ولا تزال ، صلة الوصل بينه ، وبين القرية .. تخبره بأهَمّ الأحداث التي تطرأ عليها .. وتطمئن أمه عنه ..
*****************************************************************
– لماذا تركت ِ خطيبك ِ ..؟!
ألم يكن باستطاعتكما أن تتوصّلا إلى صيغة مشتركة للتفاهم ..؟!
– …………..
– الخلافات طبيعية ، خصوصا ً في أول كل علاقة بين اثنين .. وفترة الخطوبة وُجِدَتْ للتعارف ، لوضع حجر الأساس للعلاقة الزوجية القادمة ..
( زينب مُطرقة ) …
تابَعَ محمود :
– هي فترة للتقارب ، كي يفهم كل طرف الطرفَ الآخر .. ويتفقا على مبدأ ، أو طريقة ، تناسب حياتهما المشتركة القادمة .. لتكوين أسرة سليمة ، قدر الإمكان .. أي .. علاقة ترضي الطرفين ، على أساس احترام كل طرف ، رأي الطرف الآخر ….
( تتغيّر أحوال زينب .. يبدو عليها الانفعال )
– لم أقصد إحراجَك ِ ، يا زينب .. أنا محمود ..
– من أيّ كتاب ٍ أتيت َ بهذه المعلومات ..؟!
– أليست هي الحقيقة ..؟!
– ومَن الذي يبحث عن الحقيقة في هذه الأيام ، يا ابن الحلال ..؟!
ألا ترى أنه لا أحد اليوم يبحث إلاّ عن مصلحته الخاصّة .. والذكي ، هو الذي يعرف مصلحته الحقيقية ..؟!
أمانة ، يا محمود .. اعذرني .. لا أستطيع أن أشرحَ لك َ الآن على الأقلّ ، إلاّ ( القشة ، التي قصمت ظهر البعير ) وجعلتني أشعر بالحق ، والعدل ، والحرية ، والراحة .. كأنني رميت ُ حِملا ً ثقيلا ً عن ظهري .. رغم ما أعقبَ ذلك القرار الذي اتخذته – غير نادمة – إطلاقا ً ..
اسمعْ :
آخر لقاء معه ، أو ، آخر جلسة محاولة للتفاهم ، قال لي ، بالحرف الواحد ، بعد أن طلبت ُ منه أن يقول لي ماهو المطلوب مني .. بالمختصَر المفيد ..
قالَ بحِدّة .. وكلام قاطِع :
– اسمعي .. المطلوب منك ِ أن تطيعيني .. المطلوب ، أن نكون رأيا ً واحدا ً دائما ً .. وبدون أيّ نقاش .. وإلا ّ.. كل واحد يذهب في طريقه .. من أول الطريق ، ولا من آخره ..
– بهذه البساطة ..؟!
– أنا لا أقبل أن أتزوّج رجلا ً .. أنا أريد العيش مع امرأة .. هل فهِمت ِ ..؟! أنا الرجل ، ولست ِ أنت ِ ..
فإن أعجبك ِ هذا ، نستمرّ .. وإن لم يعجبك ِ ، الحلّ سهل جدا ً ..
قلت ُ له ، في محاولة أخيرة ، ومتأخرة جدا ً :
– لقد وافقتُ عليك َ …. ( قاطعني ) :
– وافقت ِ عليّ ..؟! والله عال .. ( رضينا بالبين ، والبين مارضي فينا ..)
تابَعت ُ – متجاهلة ً الإهانة الجديدة – :
– لقد وافقت ُ عليك َ ، لأنني لا أستطيع العيش بدون رجل ٍ .. شريك .. صديق .. زوج .. حبيب .. وأقوى مني بأمور كثيرة .. أعيش في ظلّه .. يحترمني ، وأحترمه ..
أنا يا سعيد ، بنت عاديّة .. أشعر بالحاجة إلى الحنان ، والحماية .. لكنني لا أقبل أن أكون إلاّ نائبة لهذا الرجل الشريك .. أكمِله ، ويكمِلني .. لا أكون طبق الأصل عنه .. ولا أرضى أن يكون طبق الأصل عني .. نساندُ بعضنا .. لا نعرقل طموحات بعضنا .. الاحترام قبل الحب .. الحب نتيجة الاحترام .. لمصلحة الطرفين .. وليس على حساب أحد ..
– هل لديك ِ شيئا ً آخر ..؟!
– لديّ الكثير .. لا يجوز على أحد أن يفرض رأيه وطريقته في الحياة على الآخر ..
ألله .. ألله ، يا سعيد .. لم يطلب من النبي ( عليه الصلاة والسلام ) أن يفرض الإيمان على الناس بالقوة .. طلبَ منه أن يرشدهم بالحِكمة ، والموعظة الحسنة ..
( وهنا يا محمود ، كأنّ عقربا ً لدغته ) :
– يا قليلة الأدب .. وصلتْ معك ِ إلى هذا الحَدّ ..؟! تريدين أن تعلّمينني الأدب ..؟! أن تعلّمينني كيف أفكّر ..؟! وتتدخّلي في ديني ..؟!هل تعرفين مع مَن تتكلّمين ، يا ابنة ال ….؟! أنا سعيد .. المهندس سعيد ابن مسعود الترك ..
– وأنا زينب ، بنت سليمان أبو علي .. جدّي الشيخ ( يحي الصالح ) الذي كانت فرنسا تحسب له حسابا ً .. وجدّتي ( قنوع الصالح ) التي كانت أكدع من الرجال .. وأمي زهرة نساء القرية .. صغيرهم وكبيرهم ، ينادونها : أمي …
– سدّي فمك ِ .. واخرسي ..!!
ونهضَ عن الكرسيّ .. رفع يده عليّ .. ولم يمنعه من ضربي ، إلا نظرات الناس في المطعم ..
تصَنّعَ البسمة ..
– ثمّ ..؟!
– ثم انتظرت ُ حتى عادت عيون الناس إلى الطاولات .. رمَيت ُ الخاتم والأساور التي كان يقيّدني بها .. والطوق الذي كان يضغط على عنقي .. ضربتها في وجهه .. وأظن أنني جرحته .. لأنه صرخ َ، كالذئب المجروح .. وهجَمَ عليّ ، كالثور الهائج .. لكنني كنت ُ واقفة ً ، تحَسّبا ً لهذه اللحظة ..
لكن ، لا أدري يا محمود .. كيف نزلت ُ على الدّرَج الرخاميّ ، مثل الصاروخ .. ولم أعرف كيف دخلت ُ – مثل المجنونة – محلا ً ، لم يكن صاحبه قد ذهبَ إلى الغداء ، بَعد ..
– خير .. يا أختي .. خير ..؟!
جلستُ على الكرسيّ .. ونفَسي كاد ينقطع ..
– مابك ِ يا أختي ..؟! قولي .. مريضة ..؟!
– لا .. لا .. أرجوك .. عفوا ً .. أحدهم يلاحقني .. أرجوك َ ، اقفل الباب ..
– كيف شكله ..؟! لماذا يلاحقك ِ ..؟! لا تخافي .. لا تخافي .. أنا مثل أخيك ِ ..
– سكران .. لا تقف في وجهه .. ناولني كأسَ ماء ٍ ، لو سمحت ..
حاوَلَ أن يطلب الشرطة .. منعته .. صار يمشي مقابل الباب الزجاجيّ من الداخل .. ومسبحته خلف ظهره ..
وعينه على الخارج ..
أخذت ُ حبة مهدئ ، وحبّة لوجع الرأس مع بعضها .. خفت أن تؤذيني .. لكنني أخذتها ..
رجَوتُ صاحب المحل أن يطلب لي تاكسي من مكتب موثوق .. ولم أعرف كيف أشكره ..
قال لي :
– الحمد لله على السلامة يا أختي .. هذا هاتفي .. وإذا احتجت ِ الشرطة ، هذا رقمها أيضا ً .. لا تهتمّي .. لا تخافي ..
وانتبهت ُ أنه كان يوصي السائق بي .. كأنه يعرفه ..
– إلى كراج القرى .. لو سمحت ..
حشرت ُ نفسي في أول حافلة راجعة إلى السور الأخضر .. جلستُ قرب َ عجوز .. أخفيت ُ وجهي بالجريدة .. وضعت ُ منديلا ً على رأسي ، كي لا يعرفني إن رآني .. ولم أعرف كيف وصَلت ُ إلى البيت ..
( محمود يستمع ، دون أن يقاطع زينب .. يزداد تقطيب وجهه ، وكمده .. يتحفز ، كأنه يستعدّ لمجابهة عدوّ .. يضغط على أسنانه .. وبكفّيه ، على مسند الكرسيّ من الجانبين ..
تسترسل زينب ، كأنها لا تزال تعيش الحالة ..
يلاحظ محمود أنها تكاد تفقد أعصابها .. يتدخّل : )
– أوه .. زينب .. خَلَص ْ .. أنا هنا ..
– آخ ….!!
– سلامتك يا زينب ..
معقول ..؟! معقول ، أن يحدث لك ِ هذا ..؟! أنت ِ ..؟!
انسيه .. انسيه ، يا زينب .. لا يستأهل دمعة من عينك ..
( تأوّه َ بعمق .. وأطلق َ زفرة طويلة : – آخ .. يا منتهى ..!! )
– اعطِني حقيبتي ، لو سمحت ، يا محمود .. وكأس ماء ، أيضا ً ..
– زينب .. أنت ِ أصبحت ِ إنسانة أخرى .. أنت ِ بطلة .. اغلقي باب الماضي .. وعيشي في الحاضر ، كما ترغبين .. وكيفما تقتنعين .. الدواء لا يحلّ المشكلة ..
اندلق َ بعض ُ الماء على ثوبي .. وضعت ُ الكأسَ على الطاولة التي بيننا ، وأنا أبتلع بقايا الماء المُرّ ..
– كيف يا محمود ..؟! كيف ..؟! حتى أنت َ تنظّر ..؟!
– أبدا ً .. ليس تنظيرا ً .. أنت ِ بدأت ِ .. والبداية الصّح ، هي الخطوة الأهَمّ .. لا تهتمّي إلا بمن يدعمك ، وتدعمينه .. كل إنسان يبحث عمّن يشبهه .. وصدّقيني .. أنّ كل إنسان سيحظى بالذي يبحث عنه ، إن كان جادا ً .. المهم ّ ، لا تتراجَعي إلى الخلف ..
– همْ .. ذكّرتني يا محمود ، بالذي قال لي مرة ً : – الإحباط ممنوع .. المستقبل أمامنا ، وليس خلفنا ..
– أرأيت ِ الذين يفهمون ..؟!
– أيضا ً ، ذكرت ُ قولا ً لعبد الرحمن منيف – رحمه الله –
– ماذا ..؟! هل توفّيَ عبد الرحمن منيف ..؟!
– ألم تسمع ..؟! من مدة قصيرة .. ألست َ موجودا ً ..؟!
– لا والله ..
– يقول الكاتب ، على لسان أحد أبطال ( أرض السواد ) :
( لا يهمني الماضي ، إلا بمقدار ما يخدم الحاضر ..)
– نحن كلنا ، إما نعيش في الماضي .. أو مشغولون بالمستقبل .. الحاضر ، ليس محور تفكيرنا ..
– هذا صحيح .. وكيف سيكون المستقبل أفضل ، إن لم نملأ الحاضر بالعمل الجاد ، الهادف ، بعد تحديد الهدف ، والسير نحوه بخطوات واعية ، واثقة .. ونيّة ٍ صافية ..؟!
– آخ .. يا زينب ..!! ماذا أحكي لك ِ عن أحوالي ..؟! أنا أعاني أكثر منك ِ ..
– غير صحيح يا محمود .. مع احترامي لك .. فأنت َ شابّ .. والرجال عندنا ، لا يمكن مقارنة معاناتهم بمعاناتنا نحن الإناث .. مهما كان .. نحن ( مَكسَر عصا ) للجميع .. الكلّ يستسهِل إهانتنا .. أو تحقيرنا .. والتقليل من شأننا .. وإرهاقنا نفسيا ً ، وجسديا ً .. لأنه لا يخشى رَدّة فِعلنا .. فنحن – غالبا ً – سلبيات .. ولا نعرف كيف ندافع عن حقوقنا ، أو نأخذها .. نقضي أعمارنا في محاولات حثيثة لإرضاء الآخرين .. دون النظر إلى حاجاتنا الحقيقية ..
– وعند الآخرين أيضا ً .. لا تخدعك ِ المظاهر ..
قرأتُ – مرة ً – لباحث مهمّ ، نسيت ُ اسمه .. يقول : – إنّ أكثر من خمسة وسبعين بالمئة من نساء بريطانيا ، يتعرّضنَ للضرب – يوميا ً – من قِبَل أزواجهنّ ..
هل تعرفين أن اللبنانيات ، يأخذن مهدّئات ، ويدخّنّ ، حتى أكثر من عندنا بكثير ..؟!
يمكن أن تكون الحرب هي السبب .. الحرب يازينب ، فقر ، وجهل ، وعذاب ، وقهر ، وظلم ، واستبداد .. وآخ .. كلّ الناس تعبانين ..
– وظلمُ ذوي القربى ، أمَرّ ، وأعظمُ ..
– زينب .. هل تلاحظين ، كم نرتاح عندما نتحدّث معا ً عن هموم كلّ منا ..؟!
يمكن ، لأنه أصبحَ بيننا هامشٌ من الثقة .. يجب أن نحافظ عليه .. لأن الثقة قطع نادر هذه الأيام ..
– ليتنا نفعل .. لكن بشرط ..
– قولي ..
– أنا ، يا محمود ، ضعيفة .. وأعصابي لم تعد قادرة على التحمّل كثيرا ً .. ولا أتمنى أن أحكي ، أو أن أستمع ، إلا على راحتي ..
– اتفقنا .. المهمّ ، نحن إخوة ، وأصدقاء ..
– ونحتاج إلى بعضنا ..
تكلّم معي كلما شعرت َ بالحاجة إلى ذلك ..
– ليست مشكلة ..؟!
– أبدا ً .. على الأقلّ .. أخي علي لا يزال يثق بي .. والأهَمّ ، أنني صرتُ أثق بنفسي أكثر .. وأعرف ماذا أريد .. ومع مَن أتعامل .. وكيف ..
– الحمد لله .. هذا أمر مهمّ جدا ً .. يا الله .. لقد تأخرت ُ يا زينب .. بخاطرك ..
– ألله ، والنبي معك َ يا محمود .. انتبه .. لا تسرع ..
– ادعي لي يا زينب ..
– ألله يكون معك .. ويحميك ..
( وغادرَ باتجاه حلب .. إلى عمله ..)
أقفلتُ المحلّ من الداخل .. ولم أشأ أن أرخي الستارة ، لأرى آخر ذرّة غبار ، تسبحُ في ذلك الفضاء الذي تركه لي .. ومضى ..
******************************************************************
{ طفلة ُ الروح نائمة .. لا تحاولوا إيقاظها ..
غنّيتُ لها .. لم تنمْ .. اخترعتُ لها حكاية ً ، إثر أخرى .. ولم ترقد ..
ناولتها ابنتها اللعبة .. غفت اللعبة .. وهي ، لم تنم ..
صرختُ في وجهها .. هدّدتها .. إن لم تنم ، سأنكر أنها طفلتي ..
خافتْ .. زمّتْ رقائق شفتيها .. أسدَلتْ ستائر عينيها .. و .. سكنتْ ..
هي غافية .. لا تفتحوا الأبواب .. ربما يوقِظها الصرير ..
لا تفتحوا النوافذ .. ربما دخلت نجمة ٌ ، أو قمر .. وانتثروا حول أنفاسها .. وراحوا يتقافزون ، خلف شتول الريحان ، والياسمين ..
سأضطرّ أن أعيد الكرّة معها من جديد ، إن فعلتم ..
ستتعِبونني ، بإيقاظ تلك المُشاكسة ، المتمرّدة ..
– مَهلا ً ..!! لا تقترب من سريرها .. مَن أنت َ ..؟!
أيقظتها ، يا ذا البراعم ..؟!
أية ُ حكاية ٍ .. ؟! وأيّ لحن ٍ ..؟! أو ترنيمة ٍ .. يمكنها أن تمنحها إغفاءة ً ، بَعدُ ..؟!
أراهنُ ، أنك ِ أيتها الشقية .. أراهن أنك ِ لم تكوني غافية ..
لقد تظاهرت ِ ، فقط ..
فتحَمّل مسؤولية فِعلتك َ ، يا مَن أيقظت َ شقاواتها ، بمجرّد اقترابك َ من السرير .. }
زينب .. 2004
****************************************************************
مرة ً .. دعاني إلى تناول الغداء ، في أحد المطاعم ، في طرطوس .. بحضور زملاء ، وزميلات الدراسة ..
أنا غبيّة .. ظننت ُ أنه – فعلا ً – يدعوني ليسعِدني .. ويعرّفني إلى رفاقه .. ويعرّفهم إليّ ..
– وإذا ..؟!
– وإذا به ، يريد أن يعرضني أمامهم .. خصوصا ً أمام ( سوزان ) بنت الضابط الكبير، التي لم تقبل به..
– كيف عرفت ِ ..؟! لا تظلمي الرجل ..!!
– اسمع ، لأقول لك ..
طلبَ مني أن ألبس الثياب التي أحضرها لي ، خصوصا ً لهذه المناسبة ، التي كنتُ أظنها – فقط – دعوة غداء ، وتعارف ..
لبستها .. مع أنها لم تكن مريحة .. ولم يقبل أن يمشي معي ، قبل أن أضع كمية كبيرة من الماكياج ، والصباغ .. ولم أكن أجيدُ ذلك .. لكنني اعتمدتُ على فِطنتي ، ولوّنتُ وجهي ، وأظافري ، كما أظن أنه يعجبه ..
ويبدو أنني أفلحتُ .. لأنه ( قَبِلَ ) أن يمشي معي عندما انتهيت ..
وصلنا .. وكان المدعوون يجلسون على الطاولات .. كل شابّ ، وصبيّة ، معا ً .. والموسيقا الصاخبة تثقب السطح .. وأنا لاأحبّ هذه الأجواء ..
ارتبكتُ .. لاحَظتُ التكلّفَ ، والنفاق في كل تصرّفاتهم .. ولم أستطع مجاراتهم .. مما أسخطه عليّ .. وصار يدوس على قدمي ، دون أن يلحظوا ذلك .. كي أصحّحَ تصرفاتي .. ويهمس لي مهدّدا ً .. يُملي عليّ كيف أتصرّف ..
أفلحَ في جَعلي أرفع كأس البيرة ، ردّا ً على تحياتهم .. لكنه فشل في إقناعي بشرب ِ ، حتى رَشفة منها ..
طلبَ مني أن آكل بالشوكة ، والسكين .. لكنني لم أقبل أن آكل إلاّ كما أحبّ ..
استأذنَ .. وأخذني جانبا ً .. هدّدني .. إن لم أسمع منه ، وأتصرّف بما يليق بي – كخطيبة له – .. سيعمل شيئا ً لا يمكن لي أن أتوقعه ..
بكيتُ .. هدّدني أيضا ً :
– امسحي دموعك ِ في التواليت .. وارجعي إلى مقعدك ِ .. ونفّذي ، بدقة ، ما أقول لك ِ ..
– ولِكْ ، يا مجنونة .. لماذا لم تتركيه من وقتها ..؟!
– نسيتُ أن أقول لك َ ، أن أبي لم يقبل أن نخرجَ معا ً ، قبل أن يسجّلني على ذمّته .. وتقرأ فاتحتنا .. وكانت التسهيلات منه ، ومن أهله ، مُذهِلة ..
– يا ألله ..!! ماهذا الذنب ..؟!!
– لا أعرف إن كان ذنْبا ً .. أم ذيلا ً .. لكن .. آخ ..!!
– أكمِلي .. أكمِلي ..
– بعد الغداء ، قاموا إلى الرقص ..
– وأنت ِ لا تجيدين ذلك ..
– عليك نور ..
ليس هذا فقط .. لكن ، بعد الرقص ، ولعِلمك َ ، كان يرقص مع كل صَبيّة رقصة ..
– وينظر إليك ِ ، كي يغيظك ِ ..
– هذه المرة ، لم تُفلِحْ .. بالعكس .. كانت عينه على ( سوزان ) .. وكنت غبية أيضا ً .. شعرتُ بالغيرة .. وقاموا ، استعدادا ً للذهاب إلى ( أرواد ) .. لم أذهب معهم .. لأنني خفتُ من البحر .. ومن جهة ثانية ، لا أذهب معه بعيدا ً ، حتى لو كنا مئة مُسَجّلين ..
– ماذا قال حينها ..؟!
– يا سيدي .. لم يكترث كثيرا ً .. ذهبَ من دوني .. وبقيتُ ناطرة في المقهى ، حتى عادوا .. ويمكنك َ أن تتصوّر الإزعاج ، والمضايقات ، من الفضوليين ..
– ألم تخبري أهلك ِ ..؟!
– وإن أخبرتهم .. ماذا ينفع ..؟! غيّرَ الحديث لصالحه .. وأخذ يهينني أمام أهلي ..
– أمام أهلك ِ ..؟!
– وحياتك .. وبالعكس ، أبي أكّدَ له أنني كل عمري عنيدة .. وتعاطفَ معه .. لكنه واساه .. أننا ربما اعتدنا على طباع بعضنا ، بعد مدة ..
– وأمك ِ ..؟!
– أمي ..؟! أمي دائما ً ترى أن الرجال على حقّ ..
قالت لي :
– عليك ِ ، يا زينب ، أن تعرفي من الآن ، أن الرجال لا يحتملون العناد .. اسمعي منه ، كما يقول لك ِ .. أفضل لك ِ ، ولنا ..
– خلصت ِ الجلسة .. أرجوك ِ ، يا زينب .. لم أعُد أقدر على التحمّل .. اعذريني .. اعذريني ، أرجوك ِ ..
– آخ .. والله ، أعذرك .. أنا التي أعذرك َ ..
***************
– والمحلّ .. فتحتيه من المُقدّم ، والمؤخّر ..؟!
– ماذا ..؟! قرش بيت الترك ، مُحَرّم ٌ عليّ ..
– لكن هذا حقك ِ ..
– لا أريد منهم حقا ً .. حقي ، وأخذته .. وهو حرّيتي .. الحمد لله ، أنهم قبلوا تطليقي منه .. همْ .. تصوّر ..!! أنا مُطلّقة .. !!
– أقلّ منها ، أن تأخذي تعويضك ِ عن علاقتك ِ بهم ..؟! هذا حق ..
– لا حق .. ولا باطل .. لا أصدّق أن الله خلّصني من هذه الورطة ..
– معهم حق ، الذين يقولون أنك ِ عنيدة ..
– لأنني لا أقبل أكل الحرام ، عنيدة ..؟! لأنني لا أتصرّف بغير قناعاتي ، عنيدة ..؟! أو ، لأنني لا أعيش بعقليّة غيري عنيدة ..؟!
يا أخي .. أنا لا أضرّ أحدا ً بتصرّفاتي .. ولا يمكن أن أؤذي حتى نملة .. فقط ، أريد حريتي .. استقلاليتي .. وبالصوت الملآن ، أقول : – يا ناس .. مَن له حقّ عندي ، فليأت ِ ليأخذه ، مع الإعتذار أيضا ً ..
هنيئا ً لك ِ ، يا زينب ..
فِعلا ً ، أتهنأ .. انظر .. حتى ولا زبونة تقبل أن تدخل إلى عندي .. إلا القليلات من صديقاتي .. بالإحراج ، تقصدنني لأسوّي لهنّ شعورهنّ .. مثل الصّدَقة .. اذهبْ ، وانظر إلى محلات الكوافير .. ملآنة .. وكلّهنّ أكفأ مني .. وموثوقات من قِبَل البنات والنساء أكثر مني .. لا تنسَ أنني مطلّقة .. ومغضوبة الأهل .. وعانس .. ومعقّدة ..
– مَن قال هذا ..؟!
– مَن لا يقول ذلك ..؟! إلا القليل من الصديقات اللاتي يأتين إلى عندي ، برغبتهنّ .. ويزدنَ لي ثقتي بنفسي .. لأنهنّ نخبة فكرية ، متدرّجة الأعمار ، والمواقع الإجتماعية .. يجمعنا شيئ واحد .. لكنه كبير ، وعظيم .. هو الإنسانية الخالصة .. نخدم بعضنا .. نساعد بعضنا .. نشجّع بعضنا بعضا ً .. لا نقبل أن نعيش على الهامش .. لا نقبل أن نكون مُسَطّحات التفكير ..
– هنيئا ً لكنّ ..
– دعني أكمِل ..
نحن ، يطلقون علينا صفة ( مسترجلات ) .. لأننا نفكّر بعمق .. نحلّل .. لا نقبل أن نأخذ أفكارا ً جاهزة ، إلا بعد تفكير واع ٍ ، واقتناع .. نشعِلُ شموعا ً ، أكثر مما نلعن الظلام .. نلعنه – فقط – لنخفّفَ الضغط عن قلوبنا .. كل جَلسة ، نستفيد منها ، ونحاول أن نفيد الآخرين .. وأملنا بالمستقبل كبير .. ومثلما قال الشاعر : ومثلما قال الشاعر :
( شرَفُ الوَثبة ِ ، أن ترضي العلا غلَبَ الواثبُ ، أم لم يغلِبِ )
– من أجل هذا أقول لك ِ ، هنيئا ً .. عرفت ِ طريقك ِ ، وتحَدّيت ِ الباطل .. وسِرت ِ ..
– همْ .. ذكّرتني بالأستاذ .. عندما أرسلتُ له – مرّة ً – محاولة بالقصة القصيرة .. بعدما نشروا لي أول قصة في جريدة ( الأسبوع الأدبي ) ..
كنتُ قد كتبتُ : { قوافِلُ البشر تمرّ قربي .. حاولتُ اللحاق بهم ، لم أستطعْ تخليصَ قدميّ من الصقيع .. فسقطتُ خائرة ..}
وعندما قرأتها المذيعة ، كان المُعِدّ قد عَدّلَ فيها – كي يشجعني – .. فجاءتْ :
{ قوافِلُ البشر ، كانت تمرّ بجانبي .. وعندما لم أستطع اللحاق بها .. لم أستسلم .. لكنني بدأتُ بشجاعة ٍ أكبر ..}
– يا لهذا الرجل .. كم هو عظيم ..!!
– لا .. ليس إنسانا ً فقط .. وطنٌ كامل ..
– أنت ِ متأثرة به كثيرا ً ، يا زينب ..!!
– وبأمثاله ، يا محمود .. إن لم يكن كذلك ، فبمن أتأثّر ..؟! ب ( فوفو ) و ( نانا ) و ( كنار الشرق ) و ( أبو علكة ) ..؟!
من ضمن أخطائنا يا محمود ، أننا نعامِلُ الشريفَ ، كالمنافق .. وعندها .. لا الشريفُ يأخذ حقه ، والمنافق ، يظنّ أنه على صواب ..
– معك ِ حق .. والإنسان بحاجة إلى قدوة .. وألله يسعد هذا الجيل ..
******************************************************************
– تريد الذهاب مع محمود – وحدها – إلى حلب ..؟! والله عال ..!!
– أخوها سيلاقيها ..
– قلتُ لك ِ ، يا أم علي ، ألف مرة : إن جنون هذه البنت يخيفني ..
– لكن محمود ، مثل أخيها ..
– محمود ، إبن حلال .. لكن ابنتك ِ تفكيرها غريب ..
– لكنها ، يا أبو علي ، محافظة على شرفها ، وشرفنا ..
– هذا لا يكفي .. أنا أبوها .. مثلما أنت ِ أمها .. ( ويرقّ صوته .. ثم يُطلِق تنهيدة ً عميقة .. ويتابع .. ) :
– أنا أثق بها .. لكن الناس لا يرحمون .. وهذه البنت حظها سيئ .. ولا ينقصها مشاكل .. قولي لها يا أم علي .. قولي لها عن لساني : أبوك ِ يتمنى أن تكوني أحسن الناس .. ولن يقف صخرة ً في طريقك ِ .. لكن .. اعقلي قليلا ً .. لا نستطيع تحقيق كل مانرغب به .. علينا أن نداري الناس ، من أجل سمعتنا ..
قولي لها : أبوك ِ الذي ربّاك ِ .. وهو يثق بك ِ ، كما كان ، وأكثر .. لكن الواقع صعب .. وأولاد الحرام كثيرون .. وهي العارفة ..
– لكن محمود ..
– لا تقاطعيني .. دعيني أكمِل ..
لا أشكّ – أبدا ً – بمحمود .. لكنه قطعٌ نادر هذه الأيام .. وعليها أن تداري وضعها .. لا ينقصها متاعب .. عليها أن تتصرّفَ بما يناسب عمرها .. فقد تجاوزت الستّ والثلاثين ..
– خمسا ً وثلاثين ، يا أبو علي ..
– أعرف .. أعرف .. الفرق ليس كبيرا ً .. لكنها تتصرّف كمراهقة .. ورأسها كبير .. ولا يمكن لأحد أن يقبل الارتباط بها ، وهي كذلك ..
– لكنها تقول ، إنها سوف لن تتزوج ..
– قلتُ لك ِ ، أنها مجنونة ..
( أم علي ، تبكي بحرقة .. وتحدّث نفسها :
– والله ، هي العاقلة ..)
لكنها تلاحظ أن زوجها قد تأثر كثيرا ً ، وهو يكلّمها عن زينب .. وسمعت شهقة ً منه ، تلتها أنّة ٌ طويلة .. فنزلتْ من سريرها ، متأنّية ً ، كي لا يداهمها الدوار الدهليزيّ اللعين .. ثم صعدت سرير زوجها .. نامت قربه .. ووضعت يدها على خدّه الرطب ..
– ماذا يفيدك ِ ..؟! أنا منطفئ .. لم أعُد نافعا ً ..
– لستَ منطفئا ً أكثر من غيرك َ ..
( ويضحكان ) ..
– لكن ، لماذا أنت َ متأثّر هكذا ، يا سليمان ..؟! الحمد لله ، أحوالنا تحسّنتْ كثيرا ً ..
ابننا علي ( أبو تمّام ) الحمد لله ، موظّف .. وراتبه يكفيه .. وكل من يعرفه ، من الرميلان ، حتى الشام ، يحبونه ، ويحترمونه .. وأولاده ، الأوائل بالمدرسة .. وزوجته .. لولا بعض ( الغشمنة ) .. لا توجَد كنة أحسن منها ..
– أنت ِ ، لا أحد يرضيك ِ .. أم تمّام ( غشيمة ) ..؟!
– لم تسمع غير هذه الكلمة ..؟! قلت لك َ إنني لا أحسد أحدا ً على كنته ..
– يكفي أنها تتحمّل هذه المسكينة زينب .. تريحنا منها .. وتريحها منا ..
– لكن زينب لا تقصّر معها .. تتحمّل تربية أولادها .. وتساعدهم في دروسهم .. كما تساعدها على أعمال البيت ..
– علي ، يبقى أخوها .. وهذا واجبه .. لكنها ليست مُجبَرة على ذلك .. ليست أختها ، مهما كان ..
*****************************************************************
{ الصدى ، لا يهمّني ، إلا ليُشعِرني أنني موجودة ..
يهمّني الصدى ، لأنه يعبّر بصدق ، عن انعكاس صورتي في مرآة الآخرين ..
يرون حقيقتي ، وحقيقة أنفسهم .. فينفعِلون بها .. ويحدثُ التغيير نحو الأفضل ..
البعض ، يعني لهم الصدى كل شيئ .. لأنهم يتضخّمون من قوة أصواتهم ..
لا يهمّهم ماذا أحدثَ هذا الصدى في النفوس .. المهمّ ، أن يزيد أناهُمُ المتضخّمة ، ضخامة ً، وتوَرّما ً ..
لكن .. أتساءل :
– إلى أيّ حَدّ ..؟!
يهمّني الصدى ، لأنني – من خلال تفاعُل الناس مع أفكاري – أشعر بقيمة وجودي .. ويزدادُ شعوري بواجبي تجاههم .. ومسؤوليتي ، من خلال ما أقول ..
الصدى ، يُكمِلُ ذاتي ..
وذاتي تكمِلُ الصدى ..
يتفاعلان معا ً .. ليُنتِجا إنسانا ً قريبا ً من الكمال ..
وعالمٌ بلا صدى ، عزلة ..
والعزلة ُ قاتلة .. }
زينب ..
********************
{ حبيبي .. لن أسألك َ عن أحوال ( عين براعم ) .. ولن أسألك َ عن أحوال ( منتهى ) ..
المكتوب يُقرأ من عنوانه – كما يُقال – .. لكن أحوالكم وأحوال منتهى تحديدا ً ، لا تختلف كثيرا ً عن أحوالي ..
أكاد أبكي ، أيها الغالي .. تذكّرتُ هاتف ( مريم ) من يومين :
– أرجوك ِ ، يا زينب .. قولي لمحمود ، ينزل الآن إلى طرطوس ..
– لماذا ..؟! لماذا يرجف صوتك ِ ..؟!
– منتهى .. منتهى ، يا زينب ، في المشفى ..
لا يزال صوتها في أذني .. لم يفارقني نحيبُها ، عبر أسلاك الهاتف ، منذ أول أمس ..
يؤنبني ضميري ، يا محمود ، لأنني تركتك َ تنزل بمفردك َ إلى المشفى ، وأنت َ على تلك الحالة المتوتّرة ..
وكيف أنزل معك َ ، يا محمود ..؟!
كيف ، يا حبيبي ..؟!
هل أقول لأخي .. أو لأيّ أحد : أنا نازلة مع حبيبي إلى طرطوس ، لأن حبيبته في المشفى ، وفي حالة صعبة ..؟!
هل أغلق المحلّ ، وأنزل معك َ .. دون أن أقول لأحد ..؟!
– كعادتي – .. آثرتُ ( السلامة ) ..
حملتُ حزني عليك َ ، وعليها ، في قفصيَ الصدريّ ..}
***************************************************************
– سأكمِل لك َ الحديث الماضي .. لو سمحت َ ..
– ألم نتعاهد على طيّ صفحة الماضي ، ونبدأ من جديد ..؟!
– فقط ، كلمة ، يا محمود .. أرغبُ أن أقولها لك .. كي تقدّر حجم الشرخ الذي تركته على حياتي ، تلك الخطوبة ، غير المباركة ..
– يا الله .. لكن ، بشرط ألاّ تتمادي كثيرا ً ، كي لا تضطرّي إلى أخذ المهدّئات ..
– لا عليك .. لا آخذ حبة إلا بموافقة الطبيب .. ولا أحتاجها في الشهرين مرة .. فقط ، إذا تذكّرتُ التفاصيل ، ولم أجد أحدا ً يفهم عليّ .. أو يستمع إلى همومي باحترام ، واهتمام .. خصوصا ً ، عندما أرى أبي مقطّبا ً ، عندما أدخل البيت .. وأشعر بسلبيّة أمي .. أو أرى بعض النظرات من بعض الناس ، الذين ، يمكنك أن تقدّر مستواهم الفكري ، والإنساني ..
يقولون : مسترجلة .. ومطلقة .. ومعنّسة .. ولا أحد يقبل بها ، لأن أنفها في السماء ..
تصوّر ..! من مدة ، قالت إحداهنّ لزميلتها :
– تعالي ، نذهب إلى عند الكوافيرة زينب ..
ردّت الثانية :
– مريضة نفسيا ً ، ومعقّدة .. كيف تقبلين أن تقصّ لك ِ شعرك ِ ..؟!
– يا الله .. يا الله .. ارجعي إلى موضوعنا ..
– آخ .. يا الله .. آسفة ..
المهمّ .. عادَ السيّد سعيد إلى عند أبي :
– أين زينب ..؟! أين الآنسة ..؟! ألم تأت ِ من أمس ..؟!
ردّتْ أمي :
– ولَو ، يا سعيد ..!! من أمس ..؟! ألم تكن معك ..؟!
– كانت معي ..؟! لا والله .. ماكانت معي ..
كنتُ قد وصلتُ إلى باب الغرفة ، عندما سمعتُ صوته ، كي أدفع التهمة عن نفسي .. وأحكي الحقيقة ، قبل أن يزوّرها لصالحه ، أمام أهلي – كالعادة – ..
رفعَ أبي حاجبيه .. ونظر إليّ نظرة ، ثم حوّلها إليه :
– ماذا جرى لكما ، يا أولاد ..؟!
وقبل أن أفتح فمي ، وأحكي .. استلمَ السيد سعيد الكلام ، بصوت يثقب السطح :
– بنتك ، يا عمي أبو علي ، تريد أن تكون هي الرجل .. وأنا أريد امرأة ً أتزوجها .. لا أريد رجلا ً ..
حاولتُ مرة ً ثانية أن أفتح فمي .. لم يسمح لي أحد ..
ارتفعت الأصوات بين أبي ، وسعيد ..
أمي ، تركت الغرفة ، وخرجت .. لكن أبي وبّخها :
– أين تذهبين ..؟! تعالي واسمعي ، إلى أين وصل دلالك ِ ، وتربيتك ..
أدَرتُ ظهري بعنف ، استعدادا ً للخروج ، محتجّة ً على أن أحدا ً لا يسمح لي بالكلام ..
صرخ بي أبي :
– لا تخرجي .. بلا قلّة أدب .. انتظري حتى يكمل خطيبك ِ كلامه ..
لكنني لم أنصَعْ لأمره هذه المرة .. لأنني كدتُ أنفجر ، يا محمود ..
أغلقتُ باب غرفتي عليّ .. ولم أخرج إلا عندما عرفتُ أن أبي قام ليصلّي المغرب ..
طرقتْ أمي الباب :
– احكي لي ، يا ابنتي .. ماذا جرى بينكما هذه المرة ..؟! صحيح يا زينب ، حتى الآن لم تعرفي الرجال ..؟! كوني مرنة معهم .. لا تعانديهم .. لسنا بقوّتهم ..
انفجرتُ بوجهها :
– خلصنا يا أمي .. اتركوني .. لا أريد لأحد أن يكلّمني بعد الآن .. اعتبروني متّ ُ ..
– لا سمح الله ، يا ابنتي .. يا حبيبة قلبي .. ليس لي غيرك ِ يا زينب .. لا تقوليها ثانية ً ..
– اذهبي إلى زوجك ِ .. واعتبروني لم أخلَق .. اعتبروا أنكما لم تنجبا بنات ..
– هل جُننت ِ ، يا ابنتي ..؟! ماذا فعلتُ لك ِ ..؟! أنا أسأل ، فقط .. أستفسر .. حتى هذا ليس من حقي ..؟!
كوَتني دموعُها ، يا محمود .. شعرتُ بالذنب ..
– لم يعُد باستطاعتي أن أكلّم أحدا ً في هذا البيت .. ليتَ هذه الخطبة لم تتمّ .. ليتنا لم نعرف بيت الترك .. كانت باطلة .. والله ، من يومها قلبي لم يرتحْ له .. ولا عمري ارتحتُ لأبيه ..
رقّ قلبي ، وبكيتُ كثيرا ً ، يا محمود ، عندما قالت لي :
– يا زينب ، أنا أمك ِ ، ولستُ عدوّتك ِ .. اسمعيني كلمة واحدة فقط .. لم أصدّق أن الله سلّمك ِ لي ، بعد أن أخذ إخوتك ِ .. لم أصدّق أنني أنجبتُ ابنة ً .. كنتُ أرقّصك ِ بين يديّ هاتين ، وأقول لأبيك ِ : أنت َ لك َ علي .. وأنا لي زينب .. ونضحك ، ثم نقول : – الحمد لله .. الصبي مثل البنت .. المهمّ ، ألله يسلّمهم ..
احتقرتُ نفسي ، يا محمود .. كلنا ضدّ الضعيف .. أو ، بالأحرى الطيّب ..
– سامحيني يا أمي ، ألله يخلّيك ِ .. وأنا ، مَن لي غيرك ِ ..؟!
دفنتُ رأسي في صدرها .. تشبّثتْ بي .. بكينا .. بكينا مدّة ً ، لا أدري كم امتدّتْ ..
– وحياتك ِ ، يا أمي ، لا يقول الحقيقة .. وحياتك ، إنه يكذب .. أمي .. أنا لا أريد أن أتزوج .. انتهينا .. امسحي دموعك ِ .. لم أعد أريد أحدا ً .. دعيه يذهب .. لا أريده ..
– ما هم من ثوبنا ، يا ابنتي .. صدّقيني ، أن الذي اعتاد الحلال ، لا يستطيع العيش مع مَن اعتاد أن يأكل لقمته بالحرام .. لا يجوز ..
وانتبهتْ أمي إلى شيئ مهمّ :
– لكن .. لا تنسي يا زينب ، أنك ِ مُسَجّلة على ذمّته .. وإن تركتيه ، كل الناس سيقولون ….
– مطلّقة .. فليقولوا .. لا يهمني ..
– لا تنسي أيضا ً ، هو ابنُ مَنْ .. وأننا لا نقدر عليهم ..
– يا أمي .. يا أمي .. نسيت ِ أنا أيضا ً ابنة مَن ْ ..؟! وحفيدة مَن ..؟! لماذا لم نرث الشجاعة عن أجدادنا ..؟! لماذا ..؟!
– لأن هذا الزمان ، زمانهم ، وليس زماننا ، يا ابنتي ..
– غير صحيح .. الباطل ليس له زمان .. له – فقط – مرحلة .. الحق هو الذي سيسود .. ونحن كلنا نساهم في صنع الزمن .. كما قال ذلك المسلسل : ( الدنيا هيك .. ومش هيك .. .. نحنا اللي بنعملها هيك ..)
أمي .. وحياتك .. إذا لم نقف في وجه هؤلاء الناس ، سنكون مساهمين في الغلط .. و ( الساكت عن الحق ، شيطان أخرس ) .. أليس أبي هو الذي يكرّر هذه الحِكمة دائما ً ..؟! تصوّري – لو تزوّجته – سيصبح بيت الترك أقاربنا ..!! سيمثّلوننا أمام الناس ..
كم كنتُ غبيّة .. كم كنتُ عمياء ، عندما قبلتُ ..!!
– لكن .. دخيلك يا زينب .. أرجوك ِ .. لا تخالفي أباك ِ .. تذكّري أن أبا سعيد متفضّلٌ علينا ..
– أموتُ .. ولا أدَعُ أحدا ً من بيت الترك يلمسني ..
– أرجوك ِ يا زينب .. لا تخالفي أباك ِ .. أبو سعيد شغّل َ أباك ِ عنده ، عندما كان الدّ َينُ يأكلنا ..
– أبي ، بعمره لم يأكل قرش حرام ٍ ، يا أمي .. أبي ، لم يأكل ، أو يطعِمنا ، غير الحلال .. وليس لأحد ٍ فضلٌ عليه .. كان .. ولا يزال .. وسيبقى يأكل من تعبه .. ومن تعبه ، فقط ..
نسيت ِ ، يا أمي .. عندما كان يعود من طرطوس ، بعد منتصف الليل ، وهو صائم .. والدنيا مطر غزير ، وسيول ، ورعود .. ولم يكن قد ذاق َ لقمة َ إفطار ، في شهر رمضان الفضيل ، إلا حبة تمر ، أو كأس شاي ..؟!
نسيت ِ ، أنه كثيرا ً ما كان يتناولُ سحوره معنا .. ويقرأ القرآن الكريم .. ويصلّي الفجر .. قبل أن ينزل إلى عمله – ثانية ً – .. ولا يعود إلا بعد الغروب بكثير ، أو قليل ..؟!
– ولم يقبل أن يأخذ تعويضا ً عن خِدماته ، أو إخلاصه ..
– أبي لا يأكل حراما ً ، يا أمي ..
– إيه .. كم حاولَ أبو سعيد أن يُقنعه بأن يهديه بيتا ً في طرطوس ، تعويضا ً عن خِدماته ، وإخلاصه .. دون جدوى ..!! أعرفُ أباك ِ ، أكثر منك ِ ، يا زينب .. قال له حينها :
– والله لا أقبل ، والسماء زرقاء .. فقد كفّيتَ ، ووفّيتَ .. يا أبا سعيد .. جزاك َ الله خيرا ً .. وأنا ، وَفّيتُ أغلبَ ديوني .. وقد أغنانيَ الله عن هذه اللقمة .. الحمد لله ..
– وما بها هذه اللقمة ، يا سليمان ..؟! ما بها ، يا أبو علي ..؟! التجارة ، ألله حَلّلها ..
– لكنني فلاح .. ولا أتقنُ إلا صنعتي ..
– آخ ، يا أمي ..!! الحاجة ، كم تذلّ ..!!
– وأنت ِ أصبحت ِ قاسية ، مثل أبيك ِ يا زينب .. لا تزعلي مني يا ابنتي ..
– انتظروا .. كي أتخلّصَ من هذا الذنب .. وسأريكم مَن هي ابنتكم زينب .. لا يهمّك ِ ، يا أمي ..
– ألله يقدّرك على الخير ، يا ابنتي ..
– آمين ..
******************************************************************
حتى الآن ، يا محمود ، سعيد يستفزّني .. أخافه .. تصوّر أنني لا أزال أخافه ..!! يُربكني بتصرّفاته مرات كثيرة .. مثلا ً .. يأتي بسيارته الفارهة ، مع زوجته وابنه .. و ( صُدفة ً ) يقفُ أمام محلّي ، ليشتري من السوق عندنا شيئا ً ما …. ويمرّ ( صُدفة ً ) في طريقه إلى طرطوس .. يتأبّط ذراعَ زوجته ، التي يطمرها بالذهب ، والألوان .. ويتمخترُ – كأمير – أمامي .. يغلق باب السيارة على ابنه الصغير .. ويترك المسجّلة على أعلى صوتها ، بأغاني تشبههم .. وأحيانا ً ، ابنه يلعب بالبوق ، ويُطلقه على آخره .. ولا أحد يعترض .. تصوّر .. حتى أنا ..!! وأخي علي .. تصوّر .. مرة ً ، رآه أخي هكذا .. سلّم عليه متصنّعا ً الاحترام .. ثم تركه ، ومشى .. لكنه تذكّرَ بعد عدة خطوات أخته .. فعادَ ، ودخلَ المحلّ .. وجَدَني أكاد أجَنّ .. أحبس الدمعة َ ، كي لا يفرح القرد .. قال لي :
– اصبري يا أختي ، وتجاهَليه ..
فانفجرتُ بالبكاء ، بعد أن دخلتُ خلف الستارة .. وصَبَبتُ جامَ غضبي على أخي .. كأنه هو المسؤول عن كل ماجرى ، ويجري لي .. وكما قلتُ لكَ سابقا ً .. كلنا نستسهِل إهانة مَن يحبنا .. عندما نعجز عن إهانة صاحب العلاقة .. لأننا نكون واثقين تماما ً من السلامة ..
نزلتْ دموعُ أخي .. اعتذرتُ منه .. وأنا لا أبرّر لنفسي .. إنما اعتبرتُ أنني أنا سبب كل المشاكل .. وأنني عالة على نفسي وأهلي ومجتمعي ..
******************************************************************
{ لماذا تنظر إليّ بهذه اللهفة ، وهذا الأسى ..؟!
ما هذه التعابير المأساوية ، التي تغلّفُ وجهك َ وأنت َ تودّعني ..؟!
هل لا زلت َ – مثلي – تخافُ الفَقد ..؟!
هل تخشى ألاّ نلتقي – بعدُ – يوما ً ..؟!
آه ٍ .. من هذا الرحيل ..!!
أرجوك َ .. افتحْ بابَ السيارة ، وادخل ..
اخف ِ وجهَك َ هذا ، بتعابيره البالغة الألم .. اخفه عن ناظريّ .. وارحل .. ارحل ، أرجوك َ .. لم أعُد أحتمل كل هذه النظرات الخائفة ..
هل أقول خائفة ..؟!
لا .. لا .. هذا تعبيرٌ سطحيٌ جدا ً ..
هي وَجْلى ..
هي مرعوبة ..
هي بائسة ..
تكادُ تُغلِقُ مداخِلَ الإدراك ، بعدما وَلَجَتْ أوّلَ حُجرة ٍ منها ..
تودّ لو تضغط َ بأصابعها على رموش زرقاء اليمامة .. تغلقُ عينيها .. تشفقُ .. تحاولُ ألاّ تلِجَ من طبقات الخيال إلاّ إلى الأديم ..
أرجوك َ .. أتوسّلُ إليك َ .. اذهَبْ .. لم أعُد أحتمل ..
لكن .. اتركْ لي ذلك الفيضَ العارمَ من أمواج الحنين ، والشوق ..
اتركْ لي ذاتك َ العابثة ، التي كنتَها قبل قليل ، عندما التقينا ..
حبيبي ..
أتحَسّسُ عَقِبَ رحيلك َ هذا ، غيوما ً من قُبَل .. كنتُ قد حلمتُ بها ، فوق حياء شفتيّ ..
وأمرّ بأصابعيَ الثكلى ، على خدّيَ الأيمن ، الأكثر ثُكلا ً .. أبحثُ عن قبلة ٍ يتيمة .. أوْدَعتَها ، أمانة ً عندي ..
أدفنُ رأسي في حضن الحُلم .. أغفو على مَدارج ِ قهري .. في أحضان دموعي .. وعلى أنغام نحيبي ..
أداري .. كي لا تشعر بي أمي .. أو ابنة أخي العاشقة .. هي العارفة بهذه الأمور مثلي ، وأكثر .. فلا تزالُ في عمر الزهور .. ترقصُ على دقات قلبها كل لحظة ..
قرّرتُ الآن .. رأفة ً بالجميع .. أن أغلقَ دفتر ذكرياتي .. أخفي وجهَك َ ، وتعابيره ..
ذلك َ ، إن استطعت ُ ..
فادعُ لي بالسلام ..
أقبّلك َ .. وإلى اللقاء .. ذات َ شوق ٍ متوقّد ٍ دائما ً ..}
زينب ..
******************************************************************
{ تلك َ الرائحة المميّزة ، التي تنبعثُ من غرفتك ِ ، يا غالية .. أثيرة ٌ على قلبي ..
تنعِشُ روحي ..
تحوّلُ غربتي ، إلى حضور ..
تحوّلُ وَحشتي ، أنسا ً ، وانسجاما ً ، وألفة ..
تعطيني دفئا ً ، لا مَثيلَ له .. يُشعِرني بطعم الحياة ..
كأنني ، للتوّ ، غفوتُ في حضنك ِ ، بعد أن أنهَيتُ وجبتي من الرضاعة ..
ذلك الاسترخاء النفسيّ ، والجسديّ ، والشعور بالاستقرار ، والأمان .. لا يمكنني أن أتصوّرَ – يوما ً- أنني أفقده ..
لأنه بلسمُ حياتي .. مَراحُ روحيَ القلقة .. ظلّ ٌ وريفٌ ، في ليالي قيظيَ الطويلة .. }
ابنتك ِ .. زينب ..
*****************************************************************
– هاربٌ منها ، ومن الجميع ..
هاربٌ ، حتى من نفسي ..
آت ٍ إليك ِ ، يا زينب .. لتكوني آخر ملجأ لي .. وآخر استراحة ، في هذا البلد ..
وأطلقَ
زفرة ً من الأعماق .. مرميّا ً – كقتيل ٍ – على الكرسيّ البلاستيكيّ ، الذي كنتُ أتخلّى له عنه ، عندما يأتي .. لأنه – على رخص ِ ثمنه – أكثرَ إراحة ً من أيّ كرسيّ في المحلّ ..
كدتُ أحتضنه .. وأقبّل عنقه .. حين أرخى رأسه فوق المقعد إلى الخلف ، محدّقا ً في اللا شيئ .. مُسْدِلا ً يديه إلى الجانبين .. تتأرجحان ، كيدي ميت .. كالشهداء .. أو ، كالقتلى المحمولين على ألواح الخشب ، عبر شاشات التلفزة العربية ، والأجنبية ..
– يسعدني يا محمود ، أن أكون لك َ ملجأ .. لكنني لم أفهم ما معنى ( آخر ) ..!!
فتحَ زرّ جيب قميصه الأزرق .. ناولني ..
– ماذا ..؟! جواز سفر ..؟!
– غدا ً .. إن شاء الله .. في الصباح الباكر ..
– جُنِنت َ يا محمود ..؟!
– أبدا ً .. أنا الآن أعقل من أيّ وقت ٍ مضى .. كان عليّ أن أفعل ذلك من زمان ..
وتلاحَقت دموعٌ كاللآلئ ، من جانبيّ المقعد .. تتابعت دون إبطاء ، وهو يشهق ، كطفل فقدَ كل ذويه ..
{ ما أرقّك َ ، يا محمود ..!! حين تبكي .. وحين تغضب .. حين تضحك .. وحين تشرب القهوة .. حين تحبّ .. وحين تكره .. ما أروعك ..!! }
سالت دموعي ، دون إذن مني .. شرَقتها .. دون جدوى ..
و – بصوت ٍ مبحوح – :
– لا تستسلم يا محمود .. لا تفقد أروعَ صفاتك َ .. الأمل .. التفاؤل .. الصبر .. المواجهة ..
ماذا جرى لك َ ..؟!
حاولتُ أن أجعل من نفسي واعظة :
– لو أن كل إنسان يستسلم بهذه البساطة ، لما حقّق أحد ٌ أحلامه .. لو انكسرت الأشجار من قوة العواصف ، لما بقيت غابة ..
قاطعَني :
– أرجوك ِ ..!!
صمَتّ ُ – محترمة ً رغبته – ..
قمتُ .. متوجّهة ً إلى الداخل ..
– لا أريد قهوة ..!!
– متة ..؟! زهورات ..؟!
أشارَ لي براحة يمينه ، شاكرا ً …..
دقيقة .. دقيقتين .. أم دهرا ً .. صامتين .. ونبكي ..
جمَعَ كل ما أوتيَ من نزق .. طواهُ في قلبه .. أغلقَ عليه بالسحّاب .. نهَضَ ، ماسحا ً عينيه بمنديل ٍ ورقيّ ، تناوله من العلبة .. سحَبتُ له عدّة َ مناديل :
– خذها ..
– شكرا ً ..
ونهضَ ..
– ادعي لي يا زينب ..
– إلى أين ..؟!
لكنه خرجَ .. وانزلقَ داخل السيارة ، دون أن يلتفتَ إليّ ..
صرختُ :
– محمود …..
أرخى المقودَ ، ونظر إليّ بعينين صافيتين ، مسترخيتين ، خاويتين .. مانحا ً إيايَ فرصة ً أخيرة ً لأتكلّم ..
– سامحيني يا زينب .. لا تبك ِ هكذا .. ألله يخلّيك ِ ..
انتابَني الهَلعُ ، من احتمال أن يتركني – فعلا ً – .. ويسافر .. و .. لا يعود ..
اضطربتُ .. وتردّدتُ ..
هل أعبّر له عن حقيقة مشاعري تجاهه ..؟!
وما قيمة ُ هذه المشاعر ، إن لم تصِله ..؟!
الخوفُ من فقدانه ، أفقدَني السيطرة على الكتمان ..
ومن خلال نافذة السيارة المفتوحة :
– محمود .. أرجوك َ .. أينما ذهبت َ في هذا العالم ، أو خارج هذا العالم .. لا تنسَ كم أحبك َ .. وكم أحترمك َ .. ولا تنسَ أنك َ أهَمّ إنسان في حياتي .. وأنني ، لم .. ولن أحبّ رجلا ً سواك ..
لا تزعزعْ ثقتك َ بي ، أرجوك .. لا تؤاخذني ، أنني لم أستطع يوما ً مساعدتك .. لأنني – دائما ً – بحاجة إلى مَن يساعدني ..
سأكتبُ لك َ كثيرا ً ، يا محمود .. وستعرف أنه لك َ ..
لا تنسَني ، يا محمود ..
لأنني ، لن أنساك َ – أبدا ً – ..
سأخلِصُ لك َ ، على طريقتي في الإخلاص ..
ألله معك .. أينما ذهبتَ .. وحيثما حَللت َ ……
فاجأني خشوعُه ، وهو يستمع إليّ ، كطالب ِ حاجة ٍ ، يستمع إلى واعظ ..
أغلقتُ المحلّ خلفي ..
ضبابُ الدموع ، عرقلَ عليّ رؤية َ المفتاح داخل درج المكتب ..
أمسكته ، لأقفل الباب ، وأضع الستارة فوق زجاجه .. وأفرّغ كل ما لديّ من قهر .. لكنني فوجئتُ به بالباب ، يطرقه ، ويدخل .. وفي هيئة ٍ مختلفة ، ولهجة ٍ مستغربة :
– ماذا قلت ِ ، يا زينب ..؟!
لم أدر ِ ما أحسستُ حينها .. لكنني ، لأول مرة ، قلتُ له :
– اخرجْ .. اخرجْ يا محمود .. أرجوك ، اخرجْ .. وانسَ كل ما سمعتَ ..
– من أجلي .. من أجلي – فقط – أعيدي ما قلت ِ ..
أخفيتُ وجهي بزنديّ ، كطفلة ٍ خجولة .. أحسستُ بسخونة ٍ تجتاحني .. وحَرَج ِ مراهقة ٍ ، أربكها تصرّفٌ طائش ، ندمتْ عليه ..
وعندما عجز أن يُقنعني أن أعيدَ ما قلته .. خرجَ – متباطئا ً – وأغلق َ الباب ..
لم أرفعْ رأسي إلا عندما أطلقَ بوقَ سيارته ، مودّعا ً .. و ..
غاب َ …. داخلَ خيوط المطر ..
************************
أشعلتُ مَوقِدَ المازوت .. غيّرتُ ملابسي .. استلقيتُ على السرير .. أفزعَني شكلُ وجهي في المرآة .. تدثّرتُ باللحاف ، والحِرام الصوفيّ .. تكوّرتُ على نفسي ..
أيقظني – في حوالي العاشرة – مساء ً ، جرسُ الهاتف ..
اعتدلتُ في السرير .. نظرتُ في الكاشف ..
وازدادَ الخفقان ..
هتفتُ :
عين براعم ..!!
– كيفك ، يا زينب ..؟!
– الحمد لله .. مليحة ..
– صحيح ..؟!
– وحَياتك ..
كيفكَ أنت ..؟! وكيف مريم ..؟! و ….
– كلهم بخير .. لكن أنت ِ ..؟! أخبريني عن أحولك ِ ..
– ممتازة .. نمتُ قليلا ً .. بل كثيرا ً ..
قاطعَني :
– ماذا كنت ِ تقولين لي ، يا زينب ..؟!
– …………………..
– هل ندمت ِ ..؟!
– وهل يهمّك َ أن تعرف الحقيقة ..؟!
– جدا ً .. وبالسرعة الممكنة ..
وعَدته أن أرسلَ له رسالة بذلك الخصوص .. بالبريد المضون .. على عنوان مريم .. ورجوته ألا يجعلها تفتحها ظانّة ً أنها لها ..
– وحياتك .. لن يفتحها أحد ٌ غيري .. وعد يا زينب ..
أنا بالانتظار ………
*************
{ لم .. ولن أندَمَ – يوما ً – على ماقلته ، لأنني أعنيه ..
وما اعتدتُ أن أتخذ قرارا ً كهذا ، بشكل انفعاليّ ، غير عقلانيّ .. أبدا ً .. إنما أعنيه ، بكامل قوايَ المادية ، والروحية .. لكنني .. لن أخونَ الضياء .. وأخشى أن أفعل .. فلا تتهمني بالتناقض .. أرجوك ..
لن أعتدي على حقوق الغير ، مهما كانت المغريات ..
أمسِكُ بلجام جموح الجسد .. وأطلِقُ أجنحة الروح ..
هو خاضعٌ لإرادتي ..
لكنها ليست كذلك ..
هو ، لم تدخل الخيانة ُ في نسيجه ..
وهي ، كذلك ..
تعرفني ، يامحمود .. وأعرفك َ جيّدا ً ..
فإنني مذ وُجِدتُ ، وعدتُ الشمسَ – صادقة ً – ألاّ أخونها ..
وأقسِمُ ، أنك َ كذلك ..
وكلانا صادقٌ مع نفسه .. وبالتالي ، مع الآخر ..
أنت َ…. أنت – فقط – …. أخي …. أخي ، وصديقي ، يا محمود ..
أنت َ تعني لي الكثير .. وكذلك منتهى ..
هي ، بانتظارك َ ، يا محمود .. لكن .. اصبر .. مزيدا ً من الصبر .. واعذرها .. اعذرها يا محمود ..
أعرفُ أنك َ تعِبت َ من أجلها كثيرا ً .. لكنها لا زالت بحاجة إلى وقت ٍ إضافيّ ، لتستعيد ثقتها بك َ أولا ً .. ثم بنفسها ، وبالآخرين ..
أعرفُ أنّ مَهَمّتك َ صعبة .. لكنني – بالمقابل – أعرف أنك َ محمود .. صديقي .. الذي أفخرُ به .. وبما يحمل من قِيَم ٍ إنسانية ٍ ، ونبيلة .. ولا تنسَ – يوما ً – أنك َ تملك أعظمَ قوّتين في العالم ..
قوّة الحقّ .. وقوّة الحب ..
تصوّر ، يا محمود .. عندما أغلقت َ البابَ خلفك َ ، وذهبت َ .. أجفِلت ُ .. فأسرعت ُ لأغلِق َ الباب َ ، وأعود إلى غرفتي .. كنت ُ خائفة جدا ً .. أخَفت ُ ابنة َ أخي .. لكنني أوهَمتها أنني – فقط – أعاني من اضطرابات هضمية معتادة .. وتناولت ُ أمامها قرصا ً مخفّفا ً للحموضة ..
أراك َ تتساءل ُ ، ما الذي كان يخيفني ..؟! ببساطة ، أقول لك َ : أكثر ما كنت ُ أخشاه ، كان ، أن يكون أحد ٌ قد سمعني أقول لك َ ( أحبك ) ..
لو قلت ُ لك َ ( أكرهُك َ ) ألف َ مرة ، لما خشيت ُ أحدا ً ..
أما أن يعرفوا أنني أحبك َ .. فتلك َ الطامّة ُ الكبرى ..
الحبّ عطاء ٌ يا محمود ..
وعندما تنتفي صفة ُ العطاء عن الحب ، يصبحُ شعورا ً ، تصنيفه ليس من مفرداتي .. لا تحتويه أبجديّتي ..
الحبّ حاجة .. والمُحِبّ يحتاج إلى العطاء ..
الحبيبان يتبادلان العطاء ..
الحب عاطفة ٌ تبني ..
أما إن هَدَمَتْ .. فهي ليست حبا ً ، أبدا ً .. أبدا ً ..
سافر يا محمود .. سافر .. لكن بشرط .. أن يكون سفرك لاستعادة قواك .. وليس هروبا ً .. بل ، للنظر إلى المسألة من بعيد .. كي تراها بشكل أشمَل .. كمَن ينظر إلى قريته من أعلى قمّة مشرفة عليها .. فيتّسع مدى رؤيته لها .. ويرى كل أبعادها ..
فالإنسانُ – كما تعلمُ أيها الغالي – عدوّ ما يجهل ..
سأقِفُ بجانبكما ماحَييت ُ ..
وستكون سعادتي – كما كانت دائما ً – في خدمة الحق .. والخير .. والجمال ..
هذه أنا .. أيها الغالي .. }
زينب …. أختك ..
السور الأخضر
2004
******************************************************************
{ لماذا تغيّرت َ يا محمود ..؟!
هل تريدني ألاّ أتعلّق َ بك َ أكثر ..؟!
هل تريد أن تُعلِمَني ، بطريقتك َ الراقية ، أن حلُمي لا قرارة َ له ..؟!
أبكيتني يا حبيبي ..
وإن تصادفَ أنني ضعفت ُ – يوما ً – وبُحت ُ لك َ بمشاعرَ خاصّة بي وحدي .. فأنا آسفة ..}
زينب .. أختك ….
****************
{ الخامسة عصرا ً ، ولم تأت ِ يا محمود ..
ما أبطأ الثواني .. بل ، ما أسرعها ..!!
ثلاثة شهور ، وأنت َ غائبٌ يا غالي ..
وكم سأعُدّ يا محمود ..!! كم سأعدّ يا حبيبي ..!!
سألتُ أختك َ اليوم عنك ، على الهاتف .. قالتْ أن موعد مكالمتك َ الثانية لها ، في الأول من الشهر القادم ..
آه ٍ .. أيها الغالي .. ما أبعَدَ المدّة ..!! ما أطولَ الأيام ..!!
أتساءلُ يا محمود : هل أنا – فِعلا ً- إنسانة ٌ ناضجة ٌ عاطفيا ً ..؟! هل أمَثّلُ سنّي ..؟! هل لمثلي أن تعشقَ بهذا الفيض .. وقد كسّر َ الزمانُ أجنحة َ روحها .. وعانت ما عانت .. وانتكست علاقاتها بالرجال أكثر مما تعرف أنت َ بكثير ..؟! كيف يمكن لها أن تعود وتحبّ رجلا ً .. وبهذا الشكل الذي يشبه حُبّ مراهقة ..؟!
هل تستطيع تفسير ذلك يا محمود ..؟!
دائما ً أترك لك َ الجواب ..
المهمّ .. وعَدَتني العزيزة مريم أن تتصل معي ، وتخبرني عن أحوالك ، فور تلقّيها مخابرتك .. وكنتُ قد أخفيتُ عنها لهفتي عليك ، بافتعالي المزاح :
– كم أنت ِ بخيلة يا مريم ..!! إن لم أكلّمك ِ أنا ، لا تكلّمينني ..؟! هل هذا يعني أن محمودا ً وحده الذي كان يربط بيننا ..؟! بالمناسبة ، ما هي أخباره ..؟!
– لا وحياتك ، يا زينب .. تعرفين غلاوتك عندي .. لكن …..
لم أدَعها تكمل .. :
– لا تهتمّي .. إنني أمزح .. لكنني اشتقتُ لكم جدا ً ..
– ونحن أكثر .. لا تزعلي مني ..
واعتذرتْ بلباقة ، ورقّة … تشبهك َ ..
أنا بالانتظار ، يا حبيبي ..
لن أجلس َ كمراهقة حقيقية .. وأضيّع وقتي باجترار الذكريات .. أبدا ً .. سأتصرّف كعاشقة ٍ ناضجة .. أملأ وقتي بالعمل ، والقراءة ، والكتابة ، والاجتماع بالصديقات الرائعات ..
سنتناقش بأمور الحياة العامّة ، والخاصّة .. ( بلا رقيب ) .. كما أشارَ لنا مُقدّم برنامج ( عالم الأدب ) .. حين أوصانا بالكتابة الحرّة الصادقة ..
وبالمناسبة .. أحيانا ً ألومه ، وأمثاله كثيرا ً .. كما ألومُ نفسي ، وألومك َ ، وأمثالنا كذلك .. حين أصِلُ إلى درجة ٍ كبيرة من الشقاء ، وفقدان الأعصاب ، نتيجة تعامُلي مع الناس بهذه الصفة الخاصة ، جدا ً .. جدا ً .. ( الصدق ) .. و أختها .. ( الحرية ) .. فأصبّ جامَ غضبي عليه ، وعلينا :
– في أيّ مصرف ٍ من مصارف هذا الزمان الرماديّ ، الأسود ، والأصفر ، يُصرَفُ الصدقُ ، والعفويّة ُ ، والنزاهة ..؟!
في أيّ زمن ٍ نعيش ..؟! ( على رأيك َ ، سابقا ً ، يا محمود ..؟! ) ..!!
لكنني ، أقسمتُ ألاّ أتخلّى عنهما .. على الأقلّ في الأدب .. لأنني لم أعُد أعتبره ترَفا ً ، أو إثبات ذات – فقط – .. لقد تجاوزتُ هذه المرحلة ..
صرتُ أعتبر الأدبَ رسالة .. وأنا مُصِرّة ً أن أؤدّيها بأمانة ..
فادعُ لي يا غالي ..
زينب ..
السور الأخضر .. 2004
وبما أنني مُصِرّة ً على ألاّ أطلِعَك َ على مذكّراتي الخاصة بك َ .. أقول :
– بوُدّي يا غالي .. أن أغني الآن ، في هذه اللحظة بالذات :
/ خايفة لمّا تسافر .. عالبلد الغريب ……….. تنسى إنك فايتْ في بلدك حبيبْ
مستنّي بأشواق .. وتعبان .. تعبان من فراقك ..
وموَلّع لك شمعة .. بنورها مستنّيك ..
وبعيونو دمعة .. بتمسحها بإيديك ../
************************************************************
– غدا ً ، الخميس .. ستنشَر لي قصة جديدة في ( مُلحَق الثورة الثقافي ..)
– بعد كل ما عانيت ِ .. لم تُحبَطي ..؟!
– مَن قال لكَ أن الآلام ، ليست وَحدها مفجّرة الإبداع ..؟!
– آخ ..!! إذا ً ، يجب أن تتفجّرَ من صدري كل فنون الدنيا ..
– كلنا كذلك يا محمود .. لكن الإنسان ، إذا التجأ إلى البوح .. إلى صديق ، مثلا ً .. أو ، إلى قلمه ، يرتاح كثيرا ً .. وحياتك يا محمود ..
– ( وخير جليس في الأنلم ، كتابُ ..)
– ودفترُ .. أيضا ً ..
أنت َ لا تقدّر يا محمود ، كم أشعر بالراحة عندما أكتب قصة .. صدّقني ، أشعر أنها فرّغتْ عن صدري ضغطا ً كبيرا ً .. خصوصا ً ، بعد أن صارت قصصي تصل إلى شريحة واسعة من الناس .. أشعر أن كل من يقرأها يشاركني مشاعري .. ويتفاعَل مع أفكاري ، وهمومي .. أنهم يدعمونني ..
وعندما أقرأ أيضا ً .. أشعر أن أصدقائي قد أصبحوا كثرا ً ..
– هنيئا ً لك ِ ..
– صحيح .. لماذا لا تحاول أن تكتب ، وأنت قارئ جيد ..؟!
– مَن قال هذا ..؟!
– أمانة .. ؟! لكن لماذا لم تقرأ لي شيئا ً من كتاباتك ..؟!
– قولي : ان شاء الله ..
******************************************************************
كنتُ أغلي القهوة ، حين استأذنني ، وقرأ :
{ سأقتله يوما ً .. أو ، سأساهم في قتله ..}
– أوفّ ..!! أعرفك ِ لا تكرهين أحدا ً .. فمن هذا العدوّ الظالم ، الذي تنوين قتله ، كي أساعدك ِ عليه ..؟!
– ليتك َ تفعل ..!!
– مَن هو ، بالله عليك ِ ..؟!
– الجهل ، يا محمود ..
– آخ ..!! وضعت ِ يدك ِ على جرحي ..
– جرحنا جميعا ً ، يا صديقي ..
– صدّقيني .. عندما أراك ِ متحمّسة للكتابة .. وأرى تصرّفاتك ِ ، وعفويّتك .. وحبك للناس .. أتساءل : في أيّ زمن ٍ تعيشين ، يا زينب ..؟! هذا زمنُ الخراب .. زمَن الباطل ..
– ليس للخراب ، أو للباطل زمَنٌ يا محمود .. لهما مَرحَلة عابرة ، فقط .. الزمان – دائما ً – يغربل .. ولا يُبقي إلا ما ينصر الحياة .. ما يخدم الحق ..
– يا ألله .. كم أنت ِ مثالية .. ونحن في زمن : ( إن لم تكن ذئبا ً .. أكلتك َ الذئاب ..)
– الذئاب .. أنت َ قلتها .. الذئابُ ، هي التي تأكل البشر .. هل رأيت َ ، أو سمعت َ ، أن إنسانا ً يأكلُ ذئبا ً ..؟!
– في المجاعات .. الإنسانُ يأكلُ – حتى – ابنه ..
– الجوع ُ ، يحوّلُ الإنسانَ إلى وحش ٍ مفترس .. وعندما يصل الإنسانُ إلى درجة أن يأكلَ أخاه الإنسان .. يكون الجوعُ الجسديّ ، والروحيّ ، قد حَوّلاه إلى وحش ..
– دائما ً تفحِمينني ، يا زينب ..
– ودائما ً ، يُثريني حضورُك َ ، يا محمود ..
– آخ .. يا منتهى ..!!
– اصبر .. قلنا ، لا يصحّ إلاّ الصحيح ..
– لم أعُد قادرا ً على الصبر ..
– لا أصدّقك َ .. لسبب بسيط .. أنك َ محمود .. صديقي .. الذي أعرفه جيدا ً ..
******************************************************************
{ حلمت ُ – اليومَ – يا حبيبي ، أنك َ أتيت .. وكنت ُ عند مريم .. أشمّ رائحتك ..
زرتها ، لأنني أحبها كثيرا ً .. لكن الهدف المخفي ، هو أن أتواصَلَ مع أحد يخصّك .. أو ، أيّ شيئ يذكّرني بك َ .. ويُشعِرني أنني قريبة ٌ منك َ ..
وأتيت َ من السفر .. واستقبلناك َ ، أنا ومريم ..
حاولت ُ أن أكون َ حياديّة ، قدر الإمكان .. أو ، جدّية .. وأنا أسلّم عليك ..
تحاشيتُ وضعَ يدي في يدك .. كي لا ألفت َ نظرها ..
لا أستطيع وصفَ فرحتي برؤيتك .. وإحساسي بالسعادة ، والأمان .. أخفيت ُ مشاعري ، حتى عنك .. وربما فعَلت َ أنت َ شيئا ً يشبه ذلك ..
كانت مريم – أحيانا ً – تتحوّلُ إلى منتهى .. وعندما تكونها ، أشعر بالألم ..” هل أنا منافقة ..؟! هل أنا خائنة ..؟! ” .. لكن صراعيّ اللاشعوريّ ، يجدُ حَلا ً منسبا ً .. فأستيقظ ..}
زينب .. أختك ..
******************************************************************
بقيت ُ مدة غير قصيرة ، حتى استطعت ُ إقناع َ أمي أنني عندما أتعامَلُ مع رجال ، أعرف مع مَن أتعامَل .. وأن جمهور ( اتحاد الكتاب ) ، و ( المركز الثقافي ) ، متميّز ، فكريا ً .. وحضاريا ً ، عن جمهور الملاهي ، وحفلات الخمر ، واللهو ..
– أليستْ نظرتك ِ مثالية قليلا ً ..؟!
– أبدا ً ، يا محمود .. لكلّ قاعدة استثناء .. كل مجموعة من الناس ، تحتوي على كل الأنواع .. لكن جمهور الفكر ، والقراءة ، يبقى مميّزا ً ..
– ليس الجميع ..
– مَن قالَ لك َ أنني أعَمّم ..؟! لكن – كما قلت َ أنت َ ، من زمان – : كلّ إنسان يبحث عمّن يشبهه ..
– صحيح ..
– ولنكنْ منطقيين ، يا محمود .. ماذا نريد من الآخر ، إلا أن يعاملنا بندّية .. بإنسانية .. واحترام ..
– لا شيئ ..
– هل علينا أن نحَلّلَ شخصيّة َ كل إنسان نتعامَل معه .. وأحيانا ً نفهمه صَحّ ، وأخرى خطأ ..؟!
لديّ قناعة تامّة ، أنه ، لو أن كل شخص منا استطاع َ أن يطوّرَ نفسه أولا ً .. بالعِلم ، والمعرفة .. ويجرّب .. ويفشل .. وينجح .. أيّ ، يستخدم طاقاته الفعّالة .. عند ذلك – فقط – يستطيع أن يواجه َ الجهل َ ، والاستعمار َ ، والنفوسَ المريضة ..
أمّا أن نظلّ كل الوقت .. كل واحد يقيّم الآخر .. ويرى نفسه أفضلَ منه .. فهذا حرام .. والله حرام ..
ألله ، سيسألنا جميعا ً – يوما ً ما – عن أعمارنا ، كيف قضيناها .. أليس كذلك ..؟!
– الآن ، فهمت ُ لماذا يتهمك ِ الناس بالجنون .. لأنك ِ – فِعلا ً – غير طبيعية ..
– بدون ميوعة .. ( وأضربه على كتفه ) .. ونضحك معا ً ..
يا الله .. قمْ ، يا متخلّف .. خذ القهوة .. يا الله ..
– لا .. ألستُ رجُلا ً ..؟!
( أغلِق ُ فمي ، بكفّي الأيمن ) .. يستدرك :
– ( طظّ ..!! ) .. قوليها .. قوليها ..
– حاشاك ، يا محمود ..
******************************************************************
– هل ترين يا زينب ، أننا اختصَرنا تفكيرنا بأمور خاصّة .. وأننا لا نعطي الأمور الكبيرة حقها من التفكير ..؟! وأن الأحداث التي يمرّ بها الوطن العربيّ .. ومنطقتنا تحديدا ً .. وتزلزلها .. لا تأخذ حقها من تفكيرنا ..؟! وأنّ المآسي التي يتعرّض لها أهلنا في فلسطين ، والعراق ، والسودان ، وكل مكان .. كأنها خارج دائرة اهتمامنا .. كأننا نتفرّجُ على فيلم ٍ خياليّ .. وأن أحداث هذا الفيلم ، تدورُ في منطقة ٍ خارج الكرة الأرضيّة ..؟!
– صحيح .. أو ، كأنها تدور في ( ماكوندو العربية ) ..
آخ .. يا محمود .. !! وهل نستطيعُ أنا أو أنت َ ، التفكير إلا بأنفسنا .. ومشاكلنا ..؟!
أنا أرى أن الوضعَ كله من بعضه .. وكله متشابه ..
مشاكلنا الخاصة ، والعامة .. كلها قضايا مصيرية .. ومسألة وجود ، وكرامة .. أو العكس .. و ( فاقد الشيئ .. لا يعطيه ) ..
الإستعمار .. ليس شكلا ً واحدا ً ، يا محمود ..
*****************************************************************

{ الأبناء يشعرون بالملل ، والفراغ ، خلال العطلة الصيفية .. والآباء مُرهَقون من تنقية الحبوب .. وطحن البرغل .. إلخ ..
لماذا لا يتعلّم الجيل الجديد ، أن من واجبهم مساعدتهم ..؟! ويقضون أوقات فراغهم بالعمل المنتج ، الفعّال .. بدل الجلوس أمام التلفزيون لساعات .. ولعب ( الأتاري ) والأفلام الهَدّامة ..؟!
لماذا لا يشاركون أهلهم العمل .. حتى يشعروا بأهمّية ذواتهم ، واحترامهم لأنفسهم .. لأنهم أعضاء فاعِلين في المجتمع ..؟!
فيشعرون بالثقة ، والقوة .. عندما يكتسبون معارف جديدة ، واقعية ، وخِبرات ، تساعدهم على الحياة بشرف .. فيشعرون بالكرامة ..؟!
غدا ً .. إذا أكَلوا برغل – مثلا ً – يقولون : نحن نقّينا الحنطة ، وحَرّكنا البرغل على السطح ، وساهمنا في تنزيله ، وطحنه .. مثلا ً ..
مبدأ تربَويّ صحيح .. مُعادَلة :
القيام بالواجبات .. للحصول على الحقوق ..
أترك ُ لك َ التعليق ، يا محمود ..
*******************
{ هناك وضعٌ ، يُدعى ” القابليّة للاستعمار ” .. أنا لا أستطيع أن أكونه .. لا أقبَل أن أكون مستعمَرة .. ولا مُستعمِرة ..
أنا أؤمن بحرّية الإنسان .. الحرية ، التي تستوجِب المسؤولية ..
بالحق .. بالعدل ..}
*****************************************************************
كم كانت منتهى سعيدة ، عندما أخبرها سلمان ، أنه سيُسَرّح من الجيش ، بعد شهر فقط ..!!
لكن ما أقلقها أنه لم يكن سعيدا ً كثيرا ً .. بل ، كان قلقا ً ، وهَرِما ً ..
شعرتْ بالذنب ..
هي التي تنغص عليه عيشته .. هي عالة عليه .. لابدّ أنه قلقٌ عليها ، وعلى نفسه ، وأمه .. وعلى مستقبلهم ، الذي لا يبدو مُشرقا ً ..
ثم .. ثم ، يا منتهى ، لماذا لم تنجبي لزوجك ِ ولدا ً يُسعِده ، ويُسعِدك ِ ..؟!
وتشتعِلُ الأمومة ُ النائمة ُ في صدرها ..
لكنها تخاف .. تخاف الحَمل والولادة ..
شغلها تسريحُ سلمان ، عن التمادي في هذا التفكير .. حيث عاد َ إلى عمله كمُدَرّس لمادة اللغة العربية ، في الثانوية المُنشأة حديثا ً في قرية مجاورة ..
تلاحظ أنه صار نزقا ً جدا ً ..
أنت ِ السبب ، يا منتهى ..
لم تنفع معها مجامَلاتها له .. ومحاولة إضحاكه ، عندما تراه مُكفهِرّ الوجه .. وحتى أمه .. التي لم تصدّق نفسها أنه عادَ بخير وسلامة .. وأن نذورها ، وأدعيتها قد استُجيبَت ْ .. ليس من أجلها فقط .. بل من أجله هو .. ومن أجل تلك المسكينة ( المعترة ) زوجته منتهى ..
كان مُشتّت َ الفكر .. بين حال زوجته التي تحتاج بين فترة وأخرى إلى مراجعة الأطباء .. ليس في طرطوس فقط .. بل ، وفي اللاذقية .. وحمص ، أحيانا ً.. وبين حاجة طلابه المُلحّة ليُضاعِفَ جهده معهم .. خصوصا ً ، أنهم في الباكالوريا .. ولم يأتِهم – حتى الآن – مدرّس كفؤ ، مختصّ بتلك المادة – على أهَمّيتها القصوى – ..
بيته ، غير مُكتمِل البناء .. زملاء دراسته الإبتدائية ، الذين تركوا المدرسة ، واشتغلوا أعمالا ً حُرّة ، استطاعوا أن يبنوا بيوتا ً حديثة .. وأن يفرشوها كما يرغبون ، مع عائلاتهم ..
منتهى تشعر أنها السبب .. وأن تعَبه معها ، وهَمّه عليها ، ومصاريف الأطباء ، والسفر ، والأدوية .. هي التي أوقعَتْ زوجها الغالي في هذه الأزمة ، المادّية ، والمعنوية ..
سلمان ، يشعر بالتقصير .. فهو غير قادر على أن يعطي أحدا ً حقه كاملا ً .. لا زوجته .. ولا طلاّبه .. ولا حتى أمه المتفانية في سبيل سعادته ، وراحة زوجته ..
ثمّ .. ثم ، يا سلمان .. هل نسيت َ الوعود التي وعدتها لأمك َ الأرملة ..؟!
وتدور به الدنيا ..
تتوَدّد إليه منتهى .. وتبالغ في ذلك ..
وماذا بيدها أن تفعل غير ذلك ..؟!
تعَبّر له ، بين فترة وأخرى ، أنها تحسّ بما يعانيه .. وأنها عاجزة عن مساعَدته .. مع أنها تعرف أن لوضعِها دورٌ كبيرٌ في مُعاناته .. لكنه يوبّخها ، وينهَرها .. ويطلب منها – فقط – أن تصمت ، وتتركه بحاله ..
تبكي .. وتبكي .. وتبتلع الدواء ..
مرّة ً ، زارهم بعض المدرّسين من زملائه .. سلّمتْ عليهم ، وهَمّتْ بالخروج ، لتُكمِل الضيافة التي كان سلمان قد هيّأ معظمها ، قبل حضورهم .. لخوفه ألاّ تسمح حالتها الصحّية بتقديمها على الشكل الأمثل ..
كانت تقدّر له ذلك .. ويظن الضيوف أنها من صنعها .. لأن سلمان لا يحبّ أن يعرف زملاؤه أنه يساعِد زوجته في أعمال البيت .. فيسخرون منه ..
وقبلَ أن تخرج ، سألها أحد الحاضرين ، ولم تكن تعرفه من قبل .. مُحاولا ً أن يكسب رضى زميله المُضيف :
– لا زلت ِ مريضة ، حتى الآن ..؟!
هَمّتْ أن تشرح له أنها تحسّنتْ – الحمد لله – وأن صحتها أفضل بكثير ..
ولكنه قاطعها – دون أن ينتظرها لتردّ على سؤاله – :
– والله ، حرام عليك ِ .. أتعَبت ِ الأستاذ سلمان كثيرا ً ..
لا حظتْ أنه لم يكن ينظر إليها ، وهو يكلّمها هذا الكلام الجارح – .. بل كان ينظر إلى سلمان .. يرى انطباع َ كلامه في تعابير وجهه ..
لم يقهرها قول ذلك الضيف الثقيل ، الذي يتمَلّق زوجها .. بقدر ما قهَرها صمت ُ سلمان ..
كانت تتوقّع أن يدافع عنها .. وأن يقول للضيف : هذه زوجتي .. لم تمرض برغبتها .. كما أنني لا أسمح لأحد ٍ أن يهينها ، أو يؤذي مشاعرها ، حتى ولو بحرف واحد ، أو نظرة ..
لكن ظنها خابَ .. بل ، بالعكس .. صار سلمان أكثر حِدّة ً معها .. وحتى مع أمه .. وصار يتغيّبُ عن البيت كثيرا ً ..
مرة ً .. أتتْ أخته لتزورهم .. استقبلتها منتهى بكل احترام .. أليست أخت زوجها وحبيبها ..؟!
– البيت بيتك ِ ، يا بنت عمي .. والله ، أخوك ِ سلمان – دائما ً – يذكرك ِ بالخير ..
– إن كنتم تذكروننا ، فلماذا لا تذوروننا ..؟!
– اعذرونا ، يا بنت عمي .. سلمان مشغول كثيرا ً – كما ترين – .. وزوجة عمي ، لا تقبل أن تتركني بمفردي .. وأنا ، تعرفين وضعي ..
– أنا أسامحكم .. وأنت ِ ، يا زوجة أخي ، آدميّة ، وبنت أوادم .. على سلامتك .. لا أحد يتكلم عنك ِ إلا بالخير .. وأمي تحبك كثيرا ً ..
– والله يشهد ، أنا أحبها أيضا ً .. وأحبكم كثيرا ً ..
– من مدة .. سمعتُ أناسا ً يتكلمون حولك ِ .. ودافعت ُ عنك ِ ، لأنني أحبك ِ .. كانوا يقولون :
” لو أن الأستاذ سلمان ليس ابن أصل .. كان تركها .. أو تزوّج عليها .. ”
( تغصّ منتهى باللقمة ..)
– ما هذا الكلام ، يا ابنتي ..؟! ( تعترض أم سلمان ) ..
والله ، منتهى – وهي مريضة – .. أحسن من مئة واحدة بصِحّتها ..
يقولون : ( خذ بنت الأصل .. ولو كانت على الجنبين تميل ..)
( تبكي منتهى )..
– مَن الذي قال هذا الكلام ..؟!
– لا تبك ِ ، يا امرأة أخي .. فليقُلْ مَن يقول .. طالما أنت ِ وأخي متّفقان .. ليس لأحد ٍ أن يتدخّل ..
( تنهَرها أمها ) :
– إن أتيت ِ كي تزعِجينا يا ابنتي .. فلا تعيديها .. هل سمعت ِ ..؟!
******************************************************************
بعد أشهر .. تزداد حالة منتهى سوءا ً .. فيطلب طبيبُها من سلمان أن يعرضها على طبيب نسائيّ ..
– منتهى حامل ، يا أمي .. منتهى حامل ..
تطير أم سلمان من الفرح ، كما يطير سلمان .. لكن منتهى ، وبعد تأمّلاتها السعيدة .. بأنها – بعد أشهر – ستصبحُ أما ً .. هي التي تعشق الأطفال .. هي التي كانت تحلم أن تنجب ، من سنين .. والتي كانت تتكرّر عليها الأحلام ، في أنها ترضِعُ طفلا ً من صدرها ..
كم شاهَدَت نقطة الحليب ، بأمّ عينها ، تنزل من صدرها في فم الصغير ..!! وكم كانت تشعر بالشقاء ، عندما تستيقظ ..!!
تنبّهَتْ لأمر .. أن طبيبها أصَرّ عليهما أن يعودا إلى عنده ، فور عودتهما من عند الطبيب النسائي ..
طلبَ منها طبيبها – بعد أن هنّأها بالحَمل – أن تترك الدواء المضاد للكآبة ، الذي تتناوله من مدّة .. بالتدريج .. لأنه قد يكون خطرا ً على الجنين .. وأخذ زوجَها جانبا ً ، ليطلبَ إليه الانتباه عليها أكثر ، في هذه المرحلة .. لأنها من الممكن أن تنتكس حالتها ، إن لم تترك الدواء بالتدريج – كما أشارَ إليها – ..
******************************************************************
تعَسّرتْ ولادة منتهى .. التي كانت ستتمّ بإشراف قابلة قانونية .. إذ لم يكن طبيب المستوصف الوحيد في القرية موجودا ً ..
نزفتْ كثيرا ً .. فاستنجَدَ سلمان بطبيب من طرطوس مختصّ بأمراض النساء ، والتوليد ..
وتتساءل ( علياء ) طالبة الطبّ :
– لماذا لم تدخِلوها المشفى ، من البداية ..؟!
حَضَرَ الطبيب ، بعد أن قطعَ أكثر من ساعة سفر ، شمال شرق .. عبر الطريق المليئة بالحُفر ..
أخرجَ الطفل ، بعد أن أغميَ على الأم عدة مرات .. وكاد الطبيب يفقد صبره .. فهو حريصٌ عليها ، وعلى الجنين ، المُهَدّد بأكثر من عامِل خطورة ..
أمها تصرخ ، وتندب :
– يا ويلي عليك ِ يا منتهى .. ويل أمك ، على هذه الآخرة ..!!
حماتها ، لم تترك مزارا ً ، إلاّ ونذرت على اسمه ، وبشفاعته ، أن تتمّ الولادة بالسلامة ..
سلمان ، صلّى ، بشكل شبه متواصِل ..
– دخيلك يا سلمان .. اسعِفني .. أكاد أموت ..
هُرعَ نحوها .. ضمّ رأسَها بين راحتيه .. حاوَلَ الطبيب إبعاده – دون جدوى – .. مسحَ عرقها ، وقبّلها :
– لا تخافي يا منتهى .. نذرتُ عنك ِ ، كل ما أستطيع .. ألله كريم .. اصبري .. تماسَكي .. أنت ِ قويّة ..
أبعَدَه الطبيب ثانية ً .. فوضعُها لايحتمل .. إذ ، بَدَتْ علائمُ إغماءة ٍ أخرى على ملامحها .. أحضروا لها بصلة ، لتشمّها .. لكن الطبيب كان قد وضعَ على أنفها قطنا ً مبلّلا ً بالكحول .. وأعطاها حقنة أخرى ..
فتحت عينين ِ ، لا تشبهان عينيّ منتهى الجميلتين :
– دخيلك يا سلمان ..
– وماذا بمقدوري أن أفعل لك ِ غير ذلك ..؟! والله ، لو أستطيع أن أصعَدَ بك ِ إلى الله ، مباشرة ً .. لفعلتُ ..
يبكي الطبيب أيضا ً .. ويلتفت إلى الطفل الذي حاولَ أيضا ً إسعافه ، دون أن يكون لديه كثير أمل ٍ بنجاته ..
– عملتُ كل ما أقدر عليه .. والباقي ، على الله ..
وتنشرحُ الصدور ، عندما تفتحُ منتهى عينيها ، وتسأل :
– ماهذا ..؟!
وكانت تسأل عن إبرة المَصل التي تنقّط في وريدها ، عَبرَ سلك ٍ بلاستيكيّ شفّاف ..
– الحمد لله على السلامة ..
******************************************************************
{ حزينة ٌ أنا اليوم يا محمود ، على تلك الأرملة الشابّة ..
وجدوها غافية .. على سريرها المزدوج ، في غرفة نومها ، في بيتها .. وحيدة ..
ستائرها السود الغامقة ، مُسدَلة على جميع النوافذ ..
قميصُ نومها الرهيف ، ذو اللون الزهريّ الفاتح ، مرفوعٌ قليلا ً .. كاشفا ً عن فخذيها .. أزراره الخمس ، مفتوحة .. كمّه منزلقٌ عن الكتف الأيمن ، بشكل ٍ يُظهِرُ بياضه الناعم ..
شعرُها منكوش .. تتوسّدُ ساعديها المتصالبين تحت ذقنها ..
خلعوا الباب .. لأنها لم تردّ على الهاتف – رغم كل الرنّات ، المتلاحِقة ، والمتباعِدة ، والمتطاولة .. ولا على قرع ِ الباب ..
خافوا أن تكون قد ماتت ..
تلك الأرملة الشابّة ، ذات الثلاثين عاما ً ..
تلك الغريبة الأطوار .. المتردّدة دائما ًعلى عيادات أطباء النفس والجسد .. الذين يتبارون بتبديل دواء أحدهم بدواء آخر .. ليُثبتَ لها أنه أعلَمُ من زميله بحالها ..
وعندما يقول لها طبيبٌ ذو سمعة طيبة .. صدقَ يمينه الذي حلفه عند التخرّج :
– صدّقيني يا سيدتي ، ليس بك ِ شيئ .. هذه الآلام الجسدية ، هي – فقط – انعكاسٌ لحالة الروح ..
أنت ِ تتعذّبين .. وهذا وضعٌ طبيعيّ ..
لا تصدّقه ..
بل ، تبدّله بآخر ، يُحسِنُ اصطيادَ مخاوفها الوهمية .. وتوظيفها لمصلحته :
– خذي هذا الدواء .. وارجعي بعد أسبوع .. ثم أسبوعين .. ثم شهر .. نجرّب .. إن لم يفِدك ِ .. لدينا الأفضل ، والأفضل .. حتى نجد الدواء المناسب .. الطبّ تقدّم .. المهمّ أن تثابري على الدواء .. وعلى زيارتي ..
وربما وصَفوا لها أدوية من خارج القطر .. ربما من لبنان .. أو الأردن .. أو من أوربّا .. أثمانها باهِظة ..
وتفعل ..
ويلهون بصحتها النفسية ، والجسدية ، والمادية .. مُستغِلّين كونها زوجة شهيد .. وقد منحتها الدولة تعويضا ً ماديا ً سخيا ً ..
فتضيع ..
يتناولها ذو السمعة الطيبة .. عندما يشفق عليها ، حين تزور عيادته – يوما ً – .. يحاول أن يطمئنها ، ويعقلن نظرتها إلى الحياة .. وهي التي تستطيع أن تفكر بشكل عِلميّ .. لأنها مهندسة ..
تصحو قليلا ً .. تعقِلُ كلامَه .. لكنها لا تشفى ..
فتعود إلى غيره ..
وهكذا ..
أكوامُ الدواء على الطاولة ، قرب سريرها .. وكأسُ ماء ٍ فارغ إلا من بقايا شربة .. وإبريق ماء زجاجيّ .. وساعة منبّه .. ثم .. بقايا ورق ٍ ممزّق .. وقلم ..
بجَهد ٍ جَهيد ، أيقظوها .. بعد أن تأكّدوا أنها نائمة .. وأنها لم تمت .. من ارتفاع وانخفاض جسدها ، ببطء شديد ..
تأوّهَتْ .. وقلبتْ وجهها ، رافعة ً ساعديها .. متمطّية .. لا تكاد تقدر على فتح جفنيها ، الذين التصَقا قليلا ً ببقايا الدموع ، التي لم تجفّ ، على خدّيها الشاحبين .. والعرَقُ يبَلّل جسدها ..
أخرَجوا الرجال .. والتقطت إحداهنّ ورقة ، كانت تحت وسادتها الرقيقة .. أخفتها عن الجميع .. وقرأت .. ثم شهَقتْ – ضاربة ً صدغها .. صارخة ً :
– أيتها العاهرة ..!!
وأخبرت الجميع ..
فعاقبوها – كما تقضي الأعراف – ..
وكانت الورقة – كما اكتشفوا بعد فوات الأوان – قصاصة .. تحتفظ بها .. كتبتها ، عقِبَ إغفاءة ، على صدر زوجها المرحوم .. الشهيد .. بعد علاقة شرعية كاملة ..
أترك ُ لك َ التعليق ، يا محمود ………….}
زينب …
******************************************************************

( وغفوت ُ .. وأنت ِ على ذراعي ، يا منتهى ..
لكنني استيقظت ُ بمفردي .. فوق ذلك السرير الجافّ ، الموحِش ، البارد ..
لملمت ُ أشلائي .. وذهبت ُ إلى عملي .. ككلّ يوم ..)
محمود …
– محمود .. قرأت َ لي حتى الآن ، عِدّة خواطر جميلة ، وصادقة .. وتدلّ على موهبة ..
– بشرفك ِ .. أليست مجاملة ..؟!
– المجاملة ، فيها جزء ٌ كبير ٌ من النفاق ، والغشّ ..
أنا لا أجاملك َ ، يا محمود ..
– الحمد لله .. يكفيني أنها تعجبك ِ ..
– لا .. لا يا محمود .. هذا لا يكفي .. عليك َ أن ترسل نماذج للبرنامج .. أو أن تعرضها على أيّ إنسان مختصّ بالأدب ، من ذوي الثقة .. أصحاب الخِبرة ..
– بسيطة .. بسيطة .. لاتستاهل ..
– الموهبة مسؤولية .. مِنحة ربّانية .. علينا أن ننمّيها ، ونرعاها ، ونوظفها في خدمة الحق ، والقيم العليا ..
تنهّدَ بعمق .. وصَمَت .. فعرفت ُ أنه يفكر بالموضوع .. فتركته ليقتنع بنفسه .. بعد أن كرّرت ُ على مسمَعه ذلك القول الذي يعجبني ، ويساهم في قناعتي بأهمّية الأدب :
( الأمّة ، بدون فنونها .. كالعود ، بدون أوتاره ..)
– من أجل ذلك يا صديقتي ، حرق َ ( هولاكو العصر ) مكتبة بغداد ..
المستعمِر ، يدرسنا تاريخيا ً ، وجغرافيا ً ، ومجتمعيا ً .. لا ليطوّرنا – كما يدعي – بل ليعرف نقاط ضعفنا ، وينقضّ علينا منها .. ونقاط قوّتنا ، فينهالَ عليها تهديما ً، وتشويها ً .. ليسهل عليه اقتناصُنا .. دون تمييز بين فقير ، أو غني .. أو من هذه الطائفة ، أو تلك .. من هذا الانتماء ، أو ذاك ..
المستعمِر ، فقط ، يجب ألاّ نأمَنه .. لأن غايته عنصرية ، تنبع من ثقافته الاستعلائية ..
لكن ، علينا أن نحاربه بنفس السلاح الذي يحاربنا به ..
– أحسنت َ ، يا محمود .. لكن ، فقط ، دفاعا ً عن أنفسنا .. وليس اعتداء ً ، كما يفعل ..
– قصَدت ُ ، أن علينا أن نعرفه جيدا ً.. كي نعرف من أين علينا أن نواجهه .. ونردّ اعتداءاته ..
– أحَيّيك َ ، يا صديقي ..
ثقافاتنا ، أبعَدَ ماتكون عن الاعتداء على الغير .. ثقافاتنا ، دفاعية – فقط – .. لصَون ِ حقوقنا ، وكرامتنا ..
ذكّرتني ، يا محمود ، بكلمات ٍ سمعتها مباشرة ً من فم جدتي ( أم سليمان ) رحمها الله .. وهي – كما تعلم – زوجة المجاهد ( الشيخ يحي ) الذي كان ( عقيدا ً ) أثناء الثورة ، مع ( الشيخ صالح العلي ) ..
حَكتْ لنا جدتي ( حليمة ) من ضمن ما حَكت عن الثورة .. أنه – مرة ً – عندما سألَ الفرنسيون ( الشيخ صالح ) عندما كانوا يحاكمونه في اللاذقية .. بعد أن سَلّمَ نفسه ، محاولا ً دفع َ الضَيم عن القرى التي كانوا يظنونه مختبئا ً فيها .. بعد أن استحالت إمكانية متابعة الثورة ، للأسباب المعروفة للجميع ….
– أكمِلي .. أكمِلي .. كل هذه الأمور نعرفها جيدا ً ..
– عفوا ً .. دائما ً أسترسل ..
قال الكولونيل – يومَها – للشيخ الجليل :
– لماذا تحاربوننا ، يا شيخ صالح ..؟!
فرَدّ عليه الشيخ – بثقة المؤمن – :
” – نحن ، لم نذهب إلى بلدكم فرنسا لنحاربكم .. أنتم مَن اعتديتم علينا في بلدنا .. ونحن نردّ عدوانكم . ”
وعندما حاوَل الكولونيل إقناع الشيخ أنهم آتون َ بنيّة ٍ صافية ، لتحريرنا من العثمانيين ، وأطماعهم ، وظلمِهم ..
رَدّ الشيخ :
” – لا تستخِفّوا بعقول الناس .. أنتم ، لم تأتوا إلاّ طامِعين .. فاخرجوا من بلادنا .. وإلاّ ..!! ”
– وإلاّ ، ماذا .. يا شيخ صالح ..؟!
رَدّ الشيخ – بتحَدّ – :
” – والله .. لو بقيَ معي عشرة رجال .. ما ألقَيت ُ السلاح ..”
( بكينا – حينها – أنا ومحمود ، بحرقة.. كأنّ ماجرى منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن ، لا يزال قائما ً أمامنا.. )
– هل تعرف لماذا نبكي ..؟!
– أعرف ..
– كلنا نعرف .. وكلنا مقصّرون .. من أجل هذا نبكي ..
ماذا فعلنا بعد الاستقلال ، الذي ضحّى في سبيله أجدادُنا ، بالغالي .. والنفيس .. وكان هدفهم ، أن نعيش بحرّية ، وكرامة ..؟!
– ألله يسامحك ِ .. ماذا فعلنا ..؟!
( ويضحك – ساخِرا ً – )
– عملنا أبطالنا ، ورموز نضالنا مزارات .. وصِرنا – عندما نذكر أسماءهم – نقول : ( ألله يغفر لهم ..)
– آخ .. وكلنا نعرف أننا نحن الذين نحتاجُ إلى طلب المغفرة ..
هم قاموا بواجباتهم .. وأدّوا أماناتهم تجاهنا نحن الأحفاد ، على أكمل وجه ..
ونحن ، ماذا فعلنا ..؟! ماذا فعلنا ..؟!
– ألله يسامحنا ، جميعا ً ..
– آمين .. يا ربّ العالمين ..
لكنني على ثقة ، أننا لن ننال المغفرة ، وتتحسّن أحوالنا ، إلاّ إذا دفعْنا السيّئة ، بالحَسَنة .. أي .. أن يبدأ كل إنسان منا بنفسه .. نبني أنفسنا .. ونتزوّد بالعِلم ، والمعرفة .. كي نستطيع َ أن نعطي أنفسنا ، وأهلنا ، ووطننا ..
– ثمّ ، الإنسانية .. وطننا الأشمَل .. – كما تقولين ، دائما ً – ..
– بإرادة ٍ ، أصْلبَ من الصخر .. ونيّة ٍ صادقة .. خيّرة ..
******************************************************************

– ماذا تفعلين ، يا زينب ..؟! آ .. عفوا ً .. تكتبين ..
سُررت ُ بصديقتي ، الطالبة الجامعية ( دالية ) .. ونادرا ً ، ما يسرّني أن يقطع َ أحد ٌ عليّ الاسترسال بالقراءة ، أو الكتابة .. لكن ( دالية ) مختلفة .. وجودُها يُثري .. بالإضافة إلى أنها مهتمّة بالأدب ، والفكر .. جادّة .. لا تشبه أغلب بنات جيلها .. وليستْ متعلّقة مثل الكثيرين ، بالأفلام المكسيكية ، والأمريكية ، الموَجّهة لتفريغ رؤوسهم ، والرائجة ، هذه الأيام .. ولم يستطع أيّ تاجر ألبسة ، أن يُقنعها بفستان ( كاساندرا ) ..
دخلت ُ معها زاوية ( المكتبة ) الصغيرة ، التي أسّستها على أنقاض مَحَلّي ، الفاشل بامتياز .. محاولة ً- كعادتي – أن أحَوّل فشلي في شيئ ، إلى نجاح ٍ في مجال آخر ..
( إذا لم تستطعْ شيئا ً ، فدعه ُ …. وجاوزه ُ إلى ما تستطيع ُ )
سألتني عن كتاب جديد ، لم أكن قد قرأته بعد .. فطلبت ُ منها أن تقرأه ، وتعطيني رأيها به أولا ً.. لأن لديّ الآن كتاب يعجبني ..
دخلتْ علينا – أيضا ً – بعض طالبات الثانوي :
– هاي ..
لم أردّ ..
– قلنا : هاي ..!!
ضحكتْ ، والتفتتْ إلى زميلاتها اللاتي خِفن من رَدّة فِعلي ، لأن لهنّ معرفة سابقة بطبيعتي ..
لاحَظتْ حَرَجَ الموقف .. فاستدرَكتْ – مُطرقة ً – :
– مرحبا ..
قبّلتهنّ ، واحدة .. واحدة .. ساعدتهنّ على انتقاء كتب تناسبهنّ .. وأوصيتهنّ أن يقرأن كتبا ً موجودة في ( المركز الثقافي ) .. لا أستطيع تزويد مكتبتنا الصغيرة بها .. على أهمّيتها ..
وفي اليوم التالي .. دخلنَ عليّ ، فرحات .. وقد ازدادت أعدادهنّ :
– مرحبا ..
ضحكنا جميعا ً ..
– حفظنا الدرس ..
– شكرا ً جزيلا ً ..
وحدّثتهنّ .. وهنّ ناطرات السيارات التي ستقِلّهنّ إلى قراهنّ .. أنني أظنّ أن أجدادنا عندما كانوا يكدحون من الصباح ، حتى المساء ، من أجل لقمة شريفة .. كان أكثر ما يحتاجون إليه .. هو ( العافية ) .. فكانت تحيّتهم :
( ألله يعطيكم العافية ) .. وعندما تواصَلوا مع الناس من المناطق البعيدة ، ومع الغرباء .. كان أكثر ما يحتاجه ضيفهم .. هو أن يعرف إن كان مُرَحّبا ً به .. فصارت تحيّتهم ..( مرحبا ) .. وعندما كثرت الحروب .. وكثر قطّاع الطرق .. كان أكثر ما يحتاجونه .. ( السلام ) .. فصارت تحيّتهم : ( السلام عليكم ) .. ليشعر الآخر بالاطمئنان ..
أما عندما غزانا المستعمِر الأمريكي ، والصهيونيّ البَطِر .. ذو النظرة الإستعلائية .. وحاوَل أن يفرض ثقافته المتعالية علينا .. صار يغزونا ثقافيا ً .. ليمحو ليمحو هويّتنا نحن العرب .. وكل الشعوب الضعيفة .. أو المُستضعَفة .. فعَلّمَنا – عن طريق إعلامه الموَجّه لتدميرنا – تحيّته البَطِرة : ( هاي ) ..
– يا ألله ..!! من أين أتيت ِ بهذه المعلومات ..؟!
– ليست معلومات .. ولا شيئ من هذا .. إنما رأي من الآراء .. كي تتعلّموا أن تفكروا قبل أن تتصرّفوا .. ولا تنسوا أن كل الناس بحاجة إلى العِلم .. وكل الناس بحاجة إلى بعضهم .. فكرة واحدة ، لا تكفي .. ولا عشرة .. ولا مئة .. لا يوجَد فكر إنساني غير مهمّ .. بشرط ، أن يكون ناتجا ً عن تفكير عميق .. وتحليل ، وتركيب .. وكلما تعَدّدت الأفكار، تصير الفائدة أكبر .. وكما يقولون ( الزهرة الواحدة ، لا تصنع ربيعا ً ) .. و ( يد واحدة .. لا تصَفّق ) .. على شرط ، أن تكون الآراء كلها هادفة لخدمة الإنسان بشكل عام .. وليست لخدمة فئة معيّنة ..
{ وطني .. حبيبي .. لا تخفْ .. ما دامَ فيك َ جيل ٌ يفكّر ..}
حضاراتنا ، أيتها الحبيبات ، خِصبة .. وتتّسع للجميع .. وهي من أعرق الحضارات الإنسانية .. وأكمَلِها ..
طبعا ً .. الثقافات تتلاقح .. لكن ما ينفع الناس ، هو الذي يبقى ، ولا يزول .. أيتها العزيزات ..
انبَسَطتْ أساريرهنّ .. دَخَلنَ المكتبة .. شاركتهنّ الانتقاء .. لكن ( سلمى ) كانت قد أحضرَتْ كتابا ً مهما ً من ( المركز الثقافي ) ..
وَدّعنني .. والفرح يغمرني ، عندما شاهَدت ُ حماسَتهنّ على المطالعة .. وعندما استعارتْ إحداهنّ كتابا ً لأخيها ..
– سَلّمنَ على أهلكنّ ..
– وعَليك ِ السلام ..
*****************************************************************

{ تذكّرتك َ – الآن – يا محمود ..
ومتى لا أتذكّرك ..؟!
تذكّرت ُ حواراتنا .. مُحاولة ً استعادتها في ذهني ، كما أفعل دائما ً بعد رحيلك َ .. لا .. لا ..
لا أقتنعُ أنك َ رحَلت َ .. فلأقلْ : بعد سفرك َ ..
( – ليس لها متنفّسا ً ، إلاّ مريم .. كلما ذهبتْ إلى عندها ، تفتحُ لها صدرها .. وتشكو لها همومَها ..
لا تثق ُ إلاّ بها ، وبزوجها .. صهري ( أبو بَتول ) إنسان ..
– مريم ، ليس عندها ذكور ..؟!
– ليس عندها سوى بنت وحيدة ، وثلاثة ذكور .. لكن صهري ، يُصِرّ – متحَدّيا ً التقاليد – أن يُدعى ( أبو بَتول ) ..
– برافوعليه ..
– آخ .. أتدري يا محمود ، أنني أشقى من منتهى ..؟!
هي ، اختصَرتْ طموحَها بحُلم واحد .. أو أكثر قليلا ً ..
أظن ، أنها لم تعُد تحلم إلاّ بأن تحصلَ عليك .. وأن تشفى ..
أما أنا .. فأحلامي واسعة .. وأصِرّ على تحقيق ما أستطيع منها – رغم كل الصعوبات – ..
– آخ .. لا تزال أمي تبكي عليّ ، لأنني وحيد على خمس بنات .. جميعهنّ تزوّجنَ في قرى بعيدة .. إلاّ مريم ..
وأبي يقول : بالناقص منه .. أعتبرنفسي لم أنجب سوى البنات .. وأفضلهنّ مريم .. ألله يرَضّيني عليها .. لا تزعلي يا مرّوش .. والله ، ابنك ِ ليس به خير .. دَلّلناه ، لأنه وحيد .. والآن .. انسيه ، يا أم ….
لا .. لا .. يامَرّوش ..
صحيح ، اسمك ِ لا يعجبني .. لكنني لن أناديك ِ ، بعد اليوم ، إلاّ مَرّوش .. سمعت ِ ..؟! }
******************************************************************
دخلت ُ تلك الزاوية الشرقية من المحلّ .. والتي أطلقت ُ عليها اسم ( مكتبة ) .. فتحتُ ظرفا ً أسمر ، كنت ُ قد كتبت ُ عليه : ( نشاطات أعضاء ، وأصدقاء المكتبة .. الأدبية ..) قرأت ُ :
( أتذكرين ، يا منتهى .. ؟! عندما قلت ُ لك ِ : افتحي يدك ِ .. وأغمِضي عينيك ِ ..
ظننتك ِ ستفرحين بتلك الحشرة الطائرة الحمراء الوديعة .. ظننت ُ أن النقاط السود على جناحيها الصغيرين ، ستذكّرك ِ بتلك َ النبتة الشوكية ، التي كنت ُ أقطف أشواكها ، وأحَني لك ِ راحتيك ِ ، من عصيرها الأحمر ..
أو ، بذلك الحِنّاء الذي كنا نتبارى بصنعه ، حين نجلس على صخرة سوداء ، عليها مايُشبه الطحالبَ البُنّية ، أو الرمادية .. فنبصق عليها .. وبحجر صغير ، ندورُ به فوق البصاق ، لنطرّيها .. لنحصل على حِنّاء ٍ يكفي لإسعادنا مدة طويلة ..
لكنك ِ ، حين قلت ُ لك ِ : حَلّو ..
فتحت ِ عينيك ِ .. وصرخت ِ ، وأنت ِ ترمينها من يدك ِ ..
شتمتِني .. وضربتِني بالحجارة .. فأجَبتُك ِ :
( – حابا .. حابا .. ترجع المسبة لاصحابا ..)
مَدَدت ِ إصبعك ِ الصغيرة نحوي .. شبَكتِها بنظيرتها عندي .. إعلانا ً منا ألاّ يكلّمَ أحدُنا الآخر ، بعدها ..
أتدرين كم طالت مدّة المقاطعة ، تلك ..؟!
لا أظنّ أنها تجاوزت الربع ساعة ……
آه ٍ .. يا غالية …
عودي ، أيتها الطفلة ُ الشقية ، النقيّة ….
عودي يا منتهى ..
فأنا بانتظارك ِ ….)
محمود ….
******************************************************************
( كو بّا نيوس ….) ..!!!!!
ونكون عدّة أطفال نلعب ..
يضعُ كل طفل ٍ أو طفلة ، يده فوق يد الآخرين .. كمن يعقدون معاهدة ما .. ونرفع الأيدي مجتمعة ً .. ثم نخفِضها ، ثلاث مرات .. ونقول – بصوت ٍ واحد – :
( كو بّا نيوس ) .. دون أن ندري معناها ..
كم حضارة ٍ مرّت على هذه الأرض ، يا محمود ..!!
أتريد أكثر إثباتا ً من أنها تابعة ٌ لحضارة واحدة .. ممتدّة على مدى قرون ، وقرون ..؟!
في هذا الوطن الذي ندعوه اليوم .. سورية .. ولبنان .. وفلسطين .. والعراق ……إلخ
كم قرية ٍ تقع في قطعة ٍ من هذه البقعة الطاهرة ، في هذا الوطن .. لها اسمٌ يُطلَقُ على قرية ٍ أخرى .. في قطعة ٍ أخرى ..!!
أتريد أمثلة ..؟!
اسمع : ( نيحا ) و ( تنورين ) .. في لبنان ، كما في سورية ..
( طرابلس ) .. في لبنان .. كما في ليبيا ..
( البيرة ) .. في سورية .. كما في فلسطين ..
( القنيطرة ) .. في سورية .. كما في المغرب ..
…إلخ
*****************************************************************
{ كيف ستكون عودتك َ ، يا محمود ..؟!
هل ستقطع علاقتك َ بي .. وتتجه إلى ( عين براعم ) .. فور وصولك َ .. متحَدّيا ً كل الظروف .. وكل المعوّقات ..؟!
أم ، هل ستأتي بصورة ٍ مختلفة .. وقرار ، سيسعِدني .. بقدر ما يشقيني :
– زينب .. وأنا أبادلك ِ نفس الشعور ..
فأقعُ في صراع آخر .. أكثر مرارة ً ..
فبعد أن كنت ُ أشعر ببعض ِ القوّة .. وكثير من احترامي لذاتي .. سوف أشعر – حينها – بتناقض ٍ أكبر ..
أحبّك َ ، حتى أكثر مما تتصوّر ..
لكن ، ماذنبها ..؟!
وهل يمكن أن أتحوّلَ إلى ظالمة ، وقد ذقت ُ مرارة الظلم ..؟!
محمود ..
سأترك ُ للقدَر أن يحلّ هذه المسألة المُعَقّدة ..
ستبقى ذكرى جميلة في قلبي .. لا يمكن أن تزيلها عواملُ الطقس ، عن مساحات الروح ..}
زينب ….
******************************************************************
انتهت الرواية